فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 2، ص: 616
ولِإِيلافِ قُرَيْشٍ ولا يفرّق بينهما.
وتوهّم القوم أنّهما سورة واحدة، لأنّهم رأوا قوله مردودا إلى كلام في سورة الفيل. وأكثر النّاس على أنّهما سورتان، على ما في مصحفنا وإن كانتا متّصلتي الألفاظ على مذهب العرب في التّضمين.
والمعنى أنّ قريشا كانت بالحرم آمنة من الأعداء أن تهجم عليها فيه وأن يعرض لها أحد بسوء إذا خرجت منه لتجارتها، وكانوا يقولون: قريش سكّان حرم اللّه وأهل اللّه وولاة بيته، والحرم واحد جديب لا زرع فيه ولا ضرع ولا شجر ولا مرعى. وإنّما كانت تعيش قريش فيه بالتّجارة، وكانت لهم رحلتان في كلّ سنة: رحلة إلى اليمن في الشّتاء، ورحلة في الصّيف إلى الشّام.
ولو لا هاتان الرّحلتان لم يمكن به مقام، ولو لا الأمن بجوارهم البيت، لم يقدروا على التّصرّف.
فلمّا قصد أصحاب الفيل إلى مكّة ليهدموا الكعبة وينقلوا أحجارها إلى اليمن، فيبنوا به هناك بيتا ينتقل به الأمن إليهم، ويصير العزّ لهم، أهلكهم اللّه سبحانه لتقيم قريش بالحرم ويجاوروا البيت، فقال يذكّر نعمته: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ إلى آخر السّورة، لِإِيلافِ قُرَيْشٍ، أي فعل ذلك ليؤلّف قريشا هاتين الرّحلتين اللّتين بهما تعيّشهم ومقامهم بمكّة.
تقول: ألفت موضع كذا، إذا لزمته، وآلفنيه اللّه. كما تقول:
لزمت موضع كذا، وألزمنيه اللّه.
وكرّر (لايلاف) كما تقول في الكلام: أعطيتك المال لصيانة وجهك صيانة عن كلّ النّاس، فتكرّر الكلام للتّوكيد على ما بيّنّا في"باب التّكرار". (413)
الطّبريّ: اختلفت القّراء في قراءة لِإِيلافِ قُرَيْشٍ* إِيلافِهِمْ، فقرأ ذلك عامّة قرّاء الأمصار بياء بعد همز (لايلاف) و (ايلافهم) سوى أبي جعفر فإنّه وافق غيره في قوله: (لايلاف) ، فقرأه بياء بعد همزة. واختلف عنه في قوله: (ايلافهم) ، فروي عنه أنّه كان يقرؤه (الفهم) على أنّه مصدر من: ألف يألف إلفا بغير ياء، وحكى بعضهم عنه أنّه كان يقرؤه (الافهم) بغير ياء مقصورة الألف.
والصّواب من القراءة في ذلك عندي من قرأه لِإِيلافِ قُرَيْشٍ* إِيلافِهِمْ بإثبات الياء فيهما بعد الهمزة، من: آلفت الشّي ء أولفه إيلافا؛ لإجماع الحجّة من القرّاء عليه.
وللعرب في ذلك لغتان: آلفت، وألفت. فمن قال:
آلفت بمدّ الألف، قال: فأنا أؤالف إيلافا، ومن قال:
ألفت بقصر الألف، قال: فأنا آلف إلفا، وهو رجل آلف إلفا.
وقد روي عن النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم يقرأ (الفهم) .
واختلف أهل العربيّة في المعنى الجالب لهذه اللّام في قوله: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ، فكان بعض نحويّيّ البصرة يقول: الجالب لها قوله: فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ الفيل: 5، فهي في قول هذا القائل: صلة لقوله: (جعلهم) .
فالواجب على هذا القول أن يكون معنى الكلام: ففعلنا بأصحاب الفيل هذا الفعل نعمة منّا على أهل هذا البيت وإحسانا منّا إليهم إلى نعمتنا عليهم، في رحلة الشّتاء والصّيف؛ فتكون اللّام في قوله: (لايلاف) بمعنى"إلى"، كأنّه قيل: نعمة لنعمة وإلى نعمة، لأنّ"إلى"موضع