فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 2، ص: 629
تصوّر حصول خير من المحبوب، ثمّ إن كان سبب انعقاد المحبّة أمرا سريع التّغيّر كالمال أو الجاه أو اللّذّة الجسمانيّة كانت تلك المحبّة بصدد الزّوال والاضمحلال، فالمعشوق يريد العاشق لماله، والعاشق يحبّ المعشوق لاستيفاء لذّة بهيميّة، فمهما حصل مرادهما كانا متحابّين، ومتى لم يحصل عادا متباغضين، وإن كان سبب انعقاد المودّة كمالا حقيقيّا روحانيّا دائما، لم يتصوّر لها تغيّر وزوال.
ثمّ إنّ العرب كانوا قبل مقدم النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم مقبلين على المفاخرة والتّسابق في المال والجاه والتّعصّب والتّفرّق، فلا جرم كانوا متحابّين تارة ومتباغضين أخرى، فلمّا جاءهم النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم دعاهم إلى عبادة اللّه تعالى والإعراض عن الدّنيا، والإقبال على تحصيل السّعادة الأبديّة الرّوحانيّة توحّد مطلبهم، وصاروا إخوانا متراحمين متحابّين في اللّه وللّه. (10: 21)
أبو حيّان:"المؤمنون"هنا الأوس والخزرج، وكان بين الطّائفتين من العداوة للحروب الّتي جرت بينهم ما كان لو لا الإسلام لينقضي أبدا، ولكنّه تعالى منّ عليهم بالإسلام فأبدلهم بالعداوة محبّة وبالتّباعد قربا، ومعنى لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا على تأليف قلوبهم واجتماعها على محبّة بعضها بعضا، وكونها في"الأوس والخزرج"تظاهر به أقوال المفسّرين. [ثمّ نقل قول الزّمخشريّ وقال:]
وكلامه آخرا قريب من كلام أهل السّنّة، لأنّهم قالوا: في هذه الآية دليل على أنّ العقائد والإرادات والكراهات من خلق اللّه، لأنّ ما حصل من الألف هو بسبب الإيمان ومتابعة الرّسول صلى اللّه عليه وسلم، فلو كان الإيمان فعلا للعبد لكانت المحبّة المترتّبة عليه فعلا للعبد، وذلك خلاف صريح الآية.
وقال القاضي: لولا ألطاف اللّه تعالى ساعة ساعة ما حصلت هذه الأحوال، فأضيفت إلى اللّه على هذ التّأويل، ونظيره أنّه يضاف علم الولد وأدبه إلى أبيه لأجل أنّه لم يحصل ذلك إلّا بمعونة الأب وتربيته، فكذلك هنا انتهى. وهذا هو مذهب المعتزلة. (4: 514)
رشيد رضا: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ الأنفال: 62، من المهاجرين والأنصار، وروي أنّ المراد بهم الأنصار، بدليل قوله: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ أي بعد التّفرّق والتّعادي الّذي رسخ بالحرب الطّويلة والضّغائن الموروثة، وجمعهم على الإيمان بك، وبذل النّفس والنّفيس في مناصرتك.
قال أصحاب القول الثّاني: كان هذا بين الأوس والخزرج من الأنصار، ولم يكن منه شي ء بين المهاجرين، أي وفيهم نزلت: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا آل عمران: 103، ولكن هذا لا يمنع إرادة مجموع المهاجرين والأنصار، فقد كانوا بنعمته إخوانا، لم يقع بينهم تحاسد ولا تعاد كما هو شأن البشر في مثل هذا الشّأن، كما ألّف بين الأوس والخزرج فكانوا بنعمته إخوانا، بعد طول العداء والعدوان. وقد كاد يقع التّغاير بين المهاجرين والأنصار عند قسمة الغنائم في حنين، فكفاهم اللّه شرّ ذلك بفضله وحكمة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم. [إلى أن قال:]