فهرس الكتاب

الصفحة 1448 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 2، ص: 630

أمّا الأنصار فلأنّ الأضغان الموروثة وأوتار الدّماء المسفوكة وحميّة الجاهليّة الرّاسخة، لا تزول بالأعراض الدّنيويّة العارضة، وإنّما تزول بالإيمان الصّادق الّذي هو مناط سعادة الدّنيا والآخرة.

وأمّا المهاجرون فلأنّ التّأليف بين غنيّهم وفقيرهم وسادتهم ومواليهم وأشرافهم ودهمائهم على ما كان فيهم من كبرياء الجاهليّة، وجمع كلمتهم على احتمال عداوة بيوتهم وعشائرهم وحلفائهم في سبيل اللّه، لم يكن كلّه ممّا يمكن نيله بالمال وآمال الدّنيا، ولم يكن في يد الرّسول صلى اللّه عليه وسلم شي ء منهما في أوّل الإسلام، ولكن صار بيده في المدينة شي ء عظيم منهما بنصر اللّه له في قتال المشركين واليهود جميعا.

وأمّا مجموع المهاجرين والأنصار فقد كان اجتماعهما لولا فضل اللّه وعنايته مدعاة التّحاسد والتّنازع، لما سبق لهما من عصبيّة الجاهليّة وما كان لدى المهاجرين من مزيّة قرب الرّسول والسّبق إلى الإيمان به، وما لدى الأنصار من المال والقوّة وإنقاذ الرّسول والمهاجرين جميعا من ظلم قومهم، ومن المنّة عليهم بإيوائهم ومشاركتهم في أموالهم، وفي هذا وذاك من دواعي التّغاير والتّحاسد مالا يمكن أن يزول بالأسباب الدّنيويّة.

[و للكلام تتمّة فراجع] (10: 70)

نحوه المراغيّ. (10: 27)

الطّباطبائيّ: أورد سبحانه في جملة ما استشهد على كفايته لمن توكّل عليه؛ أنّه كفى نبيّه صلّى اللّه عليه واله بتأليف قلوب المؤمنين بعد ذكر تأييده بهم. والكلام مطلق، والملاك المذكور فيه عامّ يشمل جميع المؤمنين، وإن كانت الآية أظهر انطباقا على الأنصار؛ حيث أيّد اللّه بهم نبيّه صلّى اللّه عليه واله فآووه ونصروه، وألّف اللّه سبحانه بدينه بينهم أنفسهم. وقد نشبت فيهم الحروب المبيدة، وكانت قائمة على ساقها دهرا طويلا، وهي حرب"بغاث"بين الأوس والخزرج، حتّى اصطلحوا بنزول الإسلام في دارهم، وأصبحوا بنعمته إخوانا.

وقد امتنّ اللّه بتأليفه بين قلوب المسلمين في مواضع من كلامه وبيّن أهمّيّة موقعه بمثل قوله: لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ الأنفال: 63.

وذلك أنّ الإنسان مفطور على حبّ النّعم الحيويّة الّتي تتمّ بها حياته، لا بغية له دونها، ولا يريد في الحقيقة شيئا، ولا يقصده إلّا لينتفع به في نفسه. و (ما) ربّما يلوح أنّه يريد نفعا عائدا إلى غيره، فالتّأمّل الدّقيق يكشف عن اشتماله على نفع عائد إليه نفسه، وإذ كان يحبّ الوجدان فهو يبغض الفقدان.

وبهذين الوصفين الغريزيّين- أعني الحبّ والبغض- يتمّ له أمر الحياة، ولو أنّه أحبّ كلّ شي ء، ومنها الأضداد والمتناقضات، لبطلت الحياة، ولو أنّه أبغض كلّ شي ء حتّى المتنافيات، لبطلت الحياة. وقد فطره اللّه سبحانه على الحياة الاجتماعيّة، لقصور ما عنده من القوى والأدوات، عن القيام بجميع ما يحتاج إليه من ضروريّات حياته. ومن الضّروريّ أنّ الاجتماع لا يتمّ إلّا باختصاص كلّ فرد بما يحرم عنه آخرون من مال أو جاه أو زينة أو جمال، أو كلّ ما يتنافس فيه الطّباع الإنسانيّ، أو يتعلّق به الهوى النّفسانيّ، على اختلاف فيه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت