فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 2، ص: 631
بالزّيادة والنّقيصة.
وهذا أوّل ما يودع أنواع العداوة والبغضاء في القلوب، والشّحّ في النّفوس، ثمّ ما ينبسط بينهم من وجوه الحرمان بالظّلم والعدوان، وبغي البعض على البعض في دم أو عرض أو مال أو غير ذلك، ممّا يتنعّمون به ويتنافسون فيه ويعملون لأجله، تثير في داخل نفوسهم كلّ بغضاء وشنآن.
وهذا كلّه أوصاف وغرائز باطنيّة في الجماعة لا تلبث دون أن تظهر في أعمالهم وتتلاقى في أفعالهم ويماسّ بعضها بعضا بينهم في مسير حياتهم، وفيه البلوى الّتي تتعقّب الفتن والمصائب الاجتماعيّة الّتي تبيد النّفوس وتهلك الحرث والنّسل، وقد شهدت بذلك الحوادث الجارية على توالي القرون والأجيال.
ومهما ظنّت الأمم المجتمعة أنّ بغيتها في اجتماعها هي التّمتّع من العيشة المادّيّة المحدودة بالحياة الدّنيويّة، فلا سبيل إلى قلع مادّة هذا الفساد من أصلها، وقطع منابته. فإنّ الدّار دار التّزاحم، والمجتمع قائم على قاعدة الاختصاص، والنّفوس مختلفة في الاستعداد، والحوادث الواقعة والعوامل المؤثّرة، والأحوال الخارجة دخيلة في معايشهم وحياتهم. قال تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا* إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا* وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا المعارج: 19 - 21، وقال: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ يوسف: 53، وقال: وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ* إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ هود: 118، 119، إلى غير ذلك من الآيات.
وغاية ما يمكن الإنسان في بسط الألفة وإرضاء القلوب المشحونة بالعداوة والبغضاء أن يقنعهم أو يسكتهم ببذل ما يحبّون من مال أو جاه أو سائر النّعم الدّنيويّة المحبوبة عندهم، غير أنّه إنّما ينفع في موارد جزئيّة خاصّة.
وأمّا العداوة والبغضاء العامّتان فلا سبيل إلى إزالتهما عن القلوب ببذل النّعمة، فإنّه لا يبطل غريزة الاستزادة والشّحّ الملتهب في كلّ نفس ممّا يشاهد من المزايا الحيويّة عند غيره، على أنّ من النّعم مالا يقبل إلّا الاختصاص والانفراد كالملك والرّئاسة العالية، وأمور أخرى تجري مجراهما، حتّى أنّ الأمم الرّاقية ذوي المدنيّة والحضارة لم يتمكّنوا من معالجة هذا الدّاء إلّا بما يزول به بعض شدّته، ويستريح جثمان المجتمع من بعض عذابه.
وأمّا البغضاءات المتعلّقة بالأمور الّتي تختصّ به بعض مجتمعهم كالرّئاسة والملك فهي على حالها تتّقد بشررها القلوب، ولا يزال يأكل بعضها بعضا على أنّ ذلك ينحصر فيما بينهم.
وأمّا المجتمعات الخارجة من مجتمعهم فلا يعبأ بحالهم ولا يعتنى من منافعهم الحيويّة إلّا بما يوافق منافع أولئك، وإن أعيتهم طوارق البلاء وعفاهم الدّهر بالعناء.
وقد منّ اللّه على الأمّة الإسلاميّة، إذ أزال الشّحّ عن نفوسهم وألّف بين قلوبهم بمعرفة إلهيّة، علّمه إيّاهم وبثّه فيما بينهم ببيان، أنّ الحياة الإنسانيّة حياة خالدة غير محصورة في هذه الأيّام القلائل الّتي ستفنى، ويبقى الإنسان ولا خبر عنها، وإنّ سعادة هذه الحياة الدّائمة غير التّمتّع بلذائذ المادّة والرّعي في كلا الخسّة، بل هي حياة واقعيّة وعيشة حقيقيّة يحيا ويعيش بها الإنسان