فهرس الكتاب

الصفحة 1450 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 2، ص: 632

في كرامة عبوديّة اللّه سبحانه ويتنعّم بنعم القرب والزّلفى، ثمّ يتمتّع بما تيسّر له من متاع الحياة الدّنيا، ممّا ساقه إليه الحظّ والاكتساب عارفا بحقوق النّعمة، ثمّ ينتقل إلى جوار اللّه ويدخل دار رضوانه ويخالط هناك الصّالحين من عباده، ويحيا حقّ الحياة. قال تعالى: وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ الرّعد: 26، وقال تعالى: وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ العنكبوت: 64.

وقال: فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا* ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى النّجم: 29، 30.

فعلى المسلم أن يؤمن بربّه ويتربّى بتربيته ويعزم عزمه ويجمع بغيته على ما عند ربّه، فإنّما هو عبد مدبّر لا يملك ضرّا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا. ومن كان هذا وصفه لم يكن له شغل إلّا بربّه الّذي بيده الخير والشّرّ والنّفع والضّرّ والغنى والفقر والموت والحياة، وكان عليه أن يسير مسير الحياة بالعلم النّافع والعمل الصّالح، فما سعد به من مزايا الحياة الدّنيا فموهبة من عند ربّه، وما حرم منه احتسب عند ربّه أجره، وما عند اللّه خير وأبقى.

وليس هذا من إلغاء الأسباب في شي ء ولا إبطالا للفطرة الإنسانيّة الدّاعية إلى العمل والاكتساب، النّادبة إلى التّوسّل بالفكر والإرادة المحرضة إلى الاجتهاد في تنظيم العوامل والعلل، الموصلة إلى المقاصد الإنسانيّة والأغراض الصّحيحة الحيويّة.

واذا تسنّن المسلمون بهذه السّنّة الإلهيّة، وحوّلوا هوى قلوبهم عن ذلك التّمتّع المادّي الّذي ليس إلّا بغية حيوانيّة وغرضا مادّيّا إلى هذا التّمتّع المعنويّ الّذي لا تزاحم فيه ولا حرمان عنده، ارتفعت عن قلوبهم العداوة والبغضاء، وخلصت نفوسهم من الشّحّ والرّين، وأصبحوا بنعمة اللّه إخوانا وأفلحوا حقّ الفلاح، قال:

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ* وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا آل عمران: 102، 103. وقال: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الحشر: 9. (9: 118)

فضل اللّه: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، في ما أودعه فيها من عناصر المودّة والرّحمة، والشّعور بالمسؤوليّة الإنسانيّة الرّوحيّة، على أساس الإيمان النّابض بالمحبّة والحياة وحتّى تحوّلت كلّ تلك المجموعات المتنافرة في ذاتها، المختلفة في طبيعتها، إلى وحدة روحيّة إيمانيّة تماما كما عبّر اللّه عنهم رُحَماءُ بَيْنَهُمْ الفتح: 29، وكما قال عنهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله:"مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى بعضه تداعى سائره بالسّهر والحمّى".

وتلك هي الإلفة الّتي يرعاها اللّه برعايته، ويشملها بلطفه، فإنّها تنمو من خلال الينابيع الرّوحيّة الّتي تتفجّر في الفكر والشّعور، حتّى تتحوّل- في القلب وفي الرّوح- إلى نهر كبير يمتدّ في حياة المؤمنين جميعا، في نطاق المجتمع المؤمن المتكامل الواحد.

لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ما أَلَّفْتَ بَيْنَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت