المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 23
معروفة وإنّها من الذّهب، أو كان له فوق درع الزّرد درع أخرى من الذّهب. ولكنّ الدّروع تقتضي رسوب الغريق في البحر، إلّا أن يجرفه الموج. (11: 477)
النّهاونديّ: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ وننقذك من البحر بِبَدَنِكَ وجثّتك بعد موتك، ونلقي جيفتك الخبيثة على نجوة من الأرض ليتيقّن بنو إسرائيل بعد رؤيتك هالكا، بإنجاز اللّه وعده إيّاهم بهلاكك. (2: 202)
الطّباطبائيّ: تنجيته ببدنه تدلّ على أنّ له أمرا آخر وراء البدن، فقده بدنه بغشيان العذاب، وهو النّفس الّتي تسمّى أيضا روحا.
وهذه النّفس المأخوذة هي الّتي يتوفّاها اللّه، ويأخذها حين موتها، كما قال تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها الزّمر: 42، وقال: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ السّجدة: 11.
وهي الّتي يخبر عنها الإنسان بقوله:"أنا"، وهي الّتي بها تتحقّق للإنسان إنسانيّته، وهي الّتي تدرك وتريد وتفعل الأفعال الإنسانيّة بواسطة البدن، بماله من القوى والأعضاء المادّيّة. وليس للبدن إلّا أنّه آلة وأداة، تعمل بها النّفس أعمالها المادّيّة.
ولمكان الاتّحاد الّذي بينها وبين البدن يسمّى باسمها البدن، وإلّا فأسماء الأشخاص في الحقيقة لنفوسهم لا لأبدانهم، وناهيك في ذلك التّغيّر المستمرّ الّذي يعرض البدن مدّة الحياة، والتّبدّل الطّبيعي الّذي يطرأ عليه حينا بعد حين، حتّى ربّما تبدّل البدن بجميع أجزائه إلى أجزاء أخر تتركّب بدنا آخر.
فلو كان زيد هو البدن الّذي ولدته أمّه يوم ولدته، والاسم له، لكان غيره وهو ذو سبعين وثمانين، قطعا، والاسم لغيره حتما. ولم يثب ولم يعاقب الإنسان، وهو شائب على ما عمله وهو شابّ، لأنّ الطّاعة والمعصية لغيره.
فهذه وأمثالها شواهد قطعيّة على أنّ إنسانيّة الإنسان بنفسه دون بدنه، والأسماء للنّفوس لا للأبدان، يدركها الإنسان ويعرفها إجمالا وإن كان ربّما أنكرها في مقام التّفصيل.
وبالجملة فالآية فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ كالصّريح، أو هو صريح في أنّ النّفوس وراء الأبدان، وأنّ الأسماء للنّفوس دون الأبدان، إلّا ما يطلق على الأبدان بعناية الاتّحاد.
فمعنى نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ نخرج بدنك من اليمّ وننجّيه، وهو نوع من تنجيتك- لما بين النّفس والبدن من الاتّحاد القاضي بكون العمل الواقع على أحدهما واقعا بنحو على الآخر- لتكون لمن خلفك آية.
وهذا بوجه نظير قوله تعالى: مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ طه: 55، فإنّ الّذي يعاد إلى الأرض هو جسد الإنسان دون الإنسان التّامّ، فليست نسبة الإعادة إلى الإنسان إلّا لما بين نفسه وبدنه من الاتّحاد.
وقد ذكر المفسّرون أنّ الإنجاء والتّنجية لمّا كان دالّا بلفظه على سلامة الّذي أنجي إنجاء، كان مفاد قوله:
(ننجّيك) أن يكون فرعون خارجا من اليمّ حيّا، وقد أخرجه اللّه ميّتا، فالمتعيّن أخذ قوله: (ننجّيك) من النّجوة- وهي الأرض المرتفعة الّتي لا يعلوها السّيل- والمعنى اليوم نخرج بدنك إلى نجوة من الأرض.