فهرس الكتاب

الصفحة 1857 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 38

مستحيل على اللّه تعالى، كما جاءت به الرّواية عنهم عليهم السّلام:"بأنّ اللّه لم يبد له من جهل"، وقوله عليه السّلام:

"ما بدا للّه في شي ء إلّا كان في علمه قبل أن يبدو له".

وقد تكثّرت الأحاديث من الفريقين في"البداء"مثل:"ما عظّم اللّه بمثل البداء".

وقوله:"ما بعث اللّه نبيّا حتّى يقرّ له بالبداء"أي يقرّ له بقضاء مجدّد في كلّ يوم بحسب مصالح العباد، لم يكن ظاهرا عندهم. وكأنّ الإقرار عليهم بذلك، للرّدّ على من زعم أنّه تعالى فرغ من الأمر، وهم اليهود، لأنّهم يقولون:"إنّ اللّه عالم في الأزل بمقتضيات الأشياء، فقدّر كلّ شي ء على وفق علمه".

وفي الخبر:"الأقرع والأبرص والأعمى بدا للّه عزّ وجلّ أن يبتليهم"أي قضى بذلك، وهو معنى"البداء"هاهنا، لأنّ القضاء سابق.

ومثله في اليهود:"بدا للّه أن يبتليهم"أي ظهر له إرادة وقضاء مجدّد بذلك عند المخلوقين.

وفي حديث الصّادق عليه السّلام:"ما بدا للّه في شي ء كما بدا له في إسماعيل ابني"يعني ما ظهر له سبحانه أمر في شي ء كما ظهر له في إسماعيل ابني، إذ اخترمه قبلي، ليعلم أنّه ليس بإمام بعدي.

وفي حديث العالم عليه السّلام:"المبرم من المفعولات:"

ذوات الأجسام المدركات بالحواسّ، من ذوي لون وريح ووزن وكيل، ومادبّ ودرج من إنس وجنّ وطير وسباع، وغير ذلك ممّا يدرك بالحواسّ، فللّه تبارك وتعالى فيه البداء، ممّا لا عين له، فإذا وقع العين المفهوم المدرك فلا بداء، واللّه يفعل ما يشاء". وفيه من توضيح معنى"البداء"ما لا يخفى."

وقال الشّيخ في"العدّة": وأمّا البداء فحقيقته في اللّغة: الظّهور، ولذلك يقال: بدا لنا سور المدينة، وبدا لنا وجه الرّأي، قال تعالى: وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا الجاثية: 33، وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا الزّمر: 48، ويراد بذلك كلّه: ظهر.

وقد يستعمل ذلك في العلم بالشّي ء بعد أن لم يكن حاصلا، وكذلك في الظّنّ.

فأمّا إذا أضيفت هذه اللّفظة إلى اللّه تعالى فمنه ما يجوز إطلاقه عليه، ومنه ما لا يجوز.

فأمّا ما يجوز من ذلك، فهو ما أفاد"النّسخ"بعينه، ويكون إطلاق ذلك عليه على ضرب من التّوسّع.

وعلى هذا الوجه يحمل جميع ما ورد عن الصّادقين عليهما السّلام من الأخبار المتضمّنة لإضافة"البداء"إلى اللّه تعالى، دون ما لا يجوز عليه، من حصول العلم بعد أن لم يكن.

ويكون وجه إطلاق ذلك عليه والتّشبيه، هو أنّه إذا كان ما يدلّ على"النّسخ"يظهر به للمكلّفين ما لم يكن ظاهرا، ويحصل لهم العلم به بعد أن لم يكن حاصلا، وأطلق على ذلك لفظ"البداء".

قال: وذكر سيّدنا المرتضى قدّس روحه وجها آخر في ذلك، وهو أن قال: يمكن حمل ذلك على حقيقته، بأن يقال:"بدا للّه"بمعنى أنّه ظهر له من الأمر ما لم يكن ظاهرا له، وبدا له من النّهي ما لم يكن ظاهرا له، لأنّ قبل وجود الأمر والنّهي لا يكونان ظاهرين مدركين، وإنّما يعلم أنّه يأمر أو ينهى في المستقبل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت