فهرس الكتاب

الصفحة 1861 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 42

ظهرت لهم مستوراتهم في الدّنيا من معاص وغيرها، فكيف الظّنّ على هذا بما كانوا يعلنون به من كفر ونحوه.

وينظر إلى هذا التّأويل قوله تعالى في تعظيم شأن يوم القيامة: يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ الطّارق: 9. (4: 103)

رشيد رضا: فيه أقوال:

1 -إنّه أعمالهم السّيّئة وقبائحهم الشّائنة ظهرت لهم في صحائفهم، وشهدت بها عليهم جوارحهم.

2 -إنّه أعمالهم الّتي كانوا يغترّون بها ويظنّون أنّ سعادتهم فيها؛ إذ يجعلها اللّه تعالى هباء منثورا.

3 -إنّه كفرهم وتكذيبهم الّذي أخفوه في الآخرة من قبل أن يوقفوا على النّار، كما تقدّم حكايته عنهم في قوله تعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ الأنعام: 23.

4 -إنّه الحقّ أو الإيمان الّذي كانوا يسرّونه ويخفونه بإظهار الكفر والتّكذيب عنادا للرّسول، واستكبارا عن الحقّ، وهذا إنّما ينطبق على أشدّ النّاس كفرا من المعاندين المتكبّرين، الّذين قال في بعضهم: وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا النّمل: 14.

5 -إنّه ما كان يخفيه الرّؤساء عن أتباعهم من الحقّ الّذي جاءت به الرّسل بدا للأتباع الّذين كانوا مقلّدين لهم، ومنه كتمان بعض علماء أهل الكتاب لرسالة نبيّنا صلّى اللّه عليه وسلّم وصفاته وبشارة أنبيائهم به.

6 -إنّه ما كان يخفيه المنافقون في الدّنيا من إسرار الكفر، والتّظاهر بالإيمان والإسلام.

7 -إنّه البعث والجزاء ومنه عذاب جهنّم، وإنّ إخفاءهم له عبارة عن تكذيبهم به، وهو المعنى الأصليّ لمادّة كفر.

8 -إنّ في الكلام مضافا محذوفا، أي بدا لهم وبال ما كانوا يخفونه من الكفر والسّيّئات، ونزل بهم عقابه، فتبرّموا وتضجّروا وتمنّوا التّفصّي منه بالرّدّ إلى الدّنيا، وترك ما أفضى إليه من التّكذيب بالآيات وعدم الإيمان، كما يتمنّى الموت من أمضّه الدّاء العضال، لأنّه ينقذه من الآلام، لا لأنّه محبوب في نفسه.

ونحن لا نرى رجحان قول من هذه الأقوال، بل الصّواب عندنا قول آخر.

9 -وهو أنّه يظهر يومئذ لكلّ من أولئك الّذين ورد الكلام فيهم ولأشباههم من الكفّار ما كان يخفيه في الدّنيا ممّا هو قبيح في نظره أو نظر من يخفيه عنهم، فالّذين كفروا عنادا واستكبارا كالرّؤساء الّذين ظهر لهم الحقّ كانوا يخفون ذلك الحقّ، ومنهم بعض علماء أهل الكتاب والمنافقون الّذين أظهروا الإيمان جبنا وضعفا أو مكرا وكيدا، كانوا يخفون الكفر عن المؤمنين.

وأصحاب الأعمال القبيحة من الفواحش والمنكرات يخفونها عمّن لا يقترفها معهم، والّذين يعتذرون عن ترك الواجبات بالأعذار الكاذبة يخفون حقيقة حالهم عمّن يعتذرون إليهم، والمقلّدون يخفون في أنفسهم ما يلوح فيها أحيانا من برق الدّليل المظهر لما كمن في أعماق الفطرة من الحقّ، سواء أومض ذلك البرق من آيات اللّه في الآفاق، وألسنة حملة الحجّة والبرهان، أو من آيات اللّه في أنفسهم، قبل أن تحيط بهم خطيئتهم ويختم على قلوبهم.

وهؤلاء المقلّدون والعميان هم الّذين بيّنت الآيات

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت