المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 1، ص: 196
على سبيل الإيجاب، والمعنى أنّ اللّه تعالى لمّا علّمه الكتابة وشرّفه بمعرفة الأحكام الشّرعيّة فالأولى أن يكتب تحصيلا لمهمّ أخيه المسلم شكرا لتلك النّعمة، وهو كقوله تعالى: وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ القصص: 77، فإنّه ينتفع النّاس بكتابته كما نفعه اللّه بتعليمها.
الثّاني: وهو قول الشّعبيّ [المتقدّم] .
الثّالث: قول الضّحّاك [و قد مضى] .
الرّابع: أنّ متعلّق الإيجاب هو أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ، يعني أن بتقدير: أن يكتب، فالواجب أن يكتب على ما علّمه اللّه، وأن لا يخلّ بشرط من الشّرائط، ولا يدرج فيه قيدا يخلّ بمقصود الإنسان؛ وذلك لأنّه لو كتبه من غير مراعاة هذه الشّروط، اختلّ مقصود الإنسان وضاع ماله، فكأنّه قيل له: إن كنت تكتب فاكتبه عن العدل. (7: 119)
القرطبيّ: نهى اللّه الكاتب عن الإباء. (3: 384)
أبو حيّان: نهى الكاتب عن الامتناع من الكتابة، و (كاتب) نكرة في سياق النّهي، فتعمّ. (2: 344)
الآلوسيّ: أي لا يمتنع أحد من الكتّاب الموصوفين بما ذكر. (3: 56)
تابى
وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ. التّوبة: 8
الزّمخشريّ: إباء القلوب: مخالفة ما فيها من الأضغان؛ لما يجرونه على ألسنتهم من الكلام الجميل.
الأصول اللّغويّة
1 -عرفت العربيّة أوزانا مألوفة متداولة للماضي الثّلاثيّ ومضارعه، غير أنّ ثمّة أوزانا أخرى تغاير نوع مغايرة تلك الأوزان المألوفة من قبيل"فعل يفعل"الّذي مثّل له ببضعة ألفاظ أختلف في رواياتها مثل زكى يزكى، وقوّمه الفرّاء بركن يركن وركن يركن، ومثل قلاه يقلاه، وغشى يغشى، وشجى يشجى. وقد قوّم اللّغويّون الحاذقون هذه الألفاظ إلى قلا (قلى) يقلي ويقلو، وغشي يغشى، وشجاه يشجوه وشجي يشجى، وجبى يجبي. فلم يسلم لجمهور اللّغويّين من"فعل يفعل"بفتح العين، إلّا أبى يأبى؛ ممّا دفع سيبويه إلى احتمال أن يكون هذا الفعل"أبى يأبى"محمولا على المهموز وفرعا عليه، ليستقيم ذلك الوزن فيه، باعتباره وزنا مألوفا متداولا فيما كان ثانيه أو ثالثه أحد حروف الحلق.
فقد استطاع بعض اللّغويّين بحاسّة لغويّة صائبة أن يدرك العلاقة بين"أبى"و"أبأ"، فوضعهما في مكان واحد، ارتضاه"أبى"لكثرة ما تفرّع عليه، وجعلوا منه"الإباء"بالضّمّ والكسر، وهو أن تعرض على الرّجل الشّي ء فيأباه، كما جعلوا منه"الإباء"بالكسر وهو الأجمة.
2 -و"أبى"- كما يستفاد من استعماله في القرآن وغيره- دالّ على العصيان والرّفض وشدّة الامتناع، ولا يصحّ إطلاقه على مجرّد التّرك والامتناع؛ فقد يترك المرء شيئا ولا يأباه، كما قد يمتنع عن شي ء ونفسه تهفو