فهرس الكتاب

الصفحة 1927 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 107

ما يطلبه، والبراءة إنّما هي من الشّريك لا من المشرك.

فإنّ الخالق كيف يتبرّأ من المخلوق، ولو تبرّأ منه من كان يحفظ وجوده عليه. والشّريك معدوم، فتصحّ البراءة منه، فهي صفة تنزيه، وتنزيه اللّه تعالى من الشّريك والرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم من اعتقاد الجهل.

ووجه آخر من ضعف هذا التّأويل الّذي ذكرناه، وهو أنّ"البسملة"موجودة في أوّل سورة وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ الهمزة: 1، ووَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ المطفّفين: 1، وأين"الرّحمة"من"الويل"انتهى.

وقد يقال: كون البراءة من الشّريك غير ظاهر من آيتها أصلا، وستعلم إن شاء اللّه تعالى المراد منها.

وما ذكره قدّس سرّه في الوجه الآخر من الضّعف قد يجاب عنه: بأنّ هذه السّورة لا تشبهها سورة، فإنّها ما تركت أحدا- كما قال حذيفة- إلّا نالت منه وهضمته وبالغت في شأنه. أمّا المنافقون والكافرون فظاهر، وأمّا المؤمنون ففي قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ إلى وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ التّوبة: 23، 24، وهو من أشدّ ما يخاطب به المخالف فكيف بالموافق، وليس في سورة"ويل"ولا في سورة"تبّت"ولا ولا، ولو سلم اشتمال سورة على نوع ما اشتملت عليه، لكنّ الامتياز بالكمّيّة والكيفيّة ممّا لا سبيل لإنكاره، ولذلك تركت فيها"البسملة"على ما أقول.

والاسم الجليل وإن تضمّن القهر الّذي يناسب ما تضمّنه السّورة، لكنّه متضمّن غير ذلك أيضا، مع اقترانه صريحا بما لم يتضمّنا سوى الرّحمة، وليس المقصود هنا إلّا إظهار صفة القهر. ولا يتأتّى ذلك مع الافتتاح بالبسملة، ولو سلم خلوص الاسم الجليل له.

نعم إنّه سبحانه لم يترك عادته في افتتاح السّور هنا بالكّليّة؛ حيث افتتح هذه السّورة بالباء، كما افتتح غيرها بها في ضمن البسملة، وإن كانت"باء"البسملة كلمة و"باء"هذه السّورة جزء كلمة، وذلك لسرّ دقيق يعرفه أهله، هذا.

ونقل عن السّخاويّ أنّه قال في"جمال القرّاء":

اشتهر ترك التّسمية في أوّل براءة، وروي عن عاصم:

التّسمية أوّلها. وهو القياس، لأنّ إسقاطها إمّا لأنّها نزلت بالسّيف، أو لأنّهم لم يقطعوا بأنّها سورة مستقلّة بل من الأنفال. ولا يتمّ الأوّل لأنّه مخصوص بمن نزلت فيه، ونحن إنّما نسمّي للتّبرّك، ألا ترى أنّه يجوز بالاتّفاق:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ الآية ونحوها، وإن كان التّرك [أولى] لأنّها ليست مستقلّة؛ فالتّسمية في أوّل الأجزاء جائزة، وروي ثبوتها في مصحف ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه.

وذهب ابن منادر إلى قراءتها، وفي"الإقناع"جوازها. والحقّ استحباب تركها؛ حيث إنّها لم تكتب في الإمام، ولا يقتدى بغيره.

وأمّا القول بحرمتها ووجوب تركها- كما قاله بعض المشايخ الشّافعيّة- فالظّاهر خلافه، ولا أرى في الإتيان بها بأسا لمن شرع في القراءة، من أثناء السّورة، واللّه تعالى أعلم. (10: 41)

القاسميّ: [عدّ لهذه السّورة عشرة أسماء، مثل ما تقدّم عن الطّبرسيّ، وأضاف أربعة أسماء أخرى.]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت