فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 110
يُسْجَنَ يوسف: 25، وأودعته السّجن: تريد الاعتذار ممّا كان منها، إنّ كلّ نفس لأمّارة بالسّوء إلّا ما رحم ربّي.
فإن قلت: كيف صحّ أن يجعل من كلام يوسف ولا دليل على ذلك؟
قلت: كفى بالمعنى دليلا قائدا إلى أن يجعل من كلامه، ونحوه قوله: قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ الأعراف: 109، يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَما ذا تَأْمُرُونَ الشّعراء: 35، وهو من كلام فرعون يخاطبهم ويستشيرهم.
وعن ابن جريج: هذا من تقديم القرآن وتأخيره، ذهب إلى أنّ ذلِكَ لِيَعْلَمَ يوسف: 52، متّصل بقوله:
فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَ يوسف:
ولقد لفّقت المبطلة روايات مصنوعة، فزعموا أنّ يوسف حين قال: أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ يوسف: 52، قال له جبرئيل: ولا حين هممت بها، وقالت له امرأة العزيز: ولا حين حللت تكّة سراويلك يا يوسف؟ وذلك لتهالكهم على بهت اللّه ورسله. (2: 327، 328)
الطّبرسيّ: هذا من كلام يوسف عند أكثر المفسّرين. (3: 241)
الفخر الرّازيّ: اعلم أنّ تفسير هذه الآية يختلف بحسب اختلاف ما قبلها، لأنّا إن قلنا: إنّ قوله: ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ يوسف: 52، كلام يوسف، كان هذا أيضا من كلام يوسف، وإن قلنا: إنّ ذلك من تمام كلام المرأة، كان هذا أيضا كذلك، ونحن نفسّر هذه الآية على كلا التّقديرين.
أمّا إذا قلنا: إنّ هذا كلام يوسف عليه السّلام، فالحشويّة تمسّكوا به، وقالوا: إنّه عليه السّلام لمّا قال: ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ، قال جبرئيل عليه السّلام: ولا حين هممت بفكّ سراويلك، فعند ذلك قال يوسف: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ أي بالزّنى.
واعلم أنّ هذا الكلام ضعيف، فإنّا بيّنّا أنّ الآية المتقدّمة برهان قاطع على براءته عن الذّنب.
بقي أن يقال: فما جوابكم عن هذه الآية؟ فنقول: فيه وجهان:
الوجه الأوّل: أنّه عليه السّلام لمّا قال: ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ كان ذلك جاريا مجرى مدح النّفس وتزكيتها، وقال تعالى: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ النّجم:
32، فاستدرك ذلك على نفسه بقوله: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي والمعنى وما أزكّي نفسي إنّ النّفس لأمّارة بالسّوء، ميّالة إلى القبائح، راغبة في المعصية.
والوجه الثّاني في الجواب: أنّ الآية لا تدلّ ألبتّة على شي ء ممّا ذكروه، وذلك لأنّ يوسف عليه السّلام لمّا قال: أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ بيّن أنّ ترك الخيانة ما كان لعدم الرّغبة ولعدم ميل النّفس والطّبيعة، لأنّ النّفس أمّارة بالسّوء، والطّبيعة توّاقة إلى اللّذّات، فبيّن بهذا الكلام أنّ التّرك ما كان لعدم الرّغبة، بل لقيام الخوف من اللّه تعالى.
أمّا إذا قلنا: إنّ هذا الكلام من بقيّة كلام المرأة، ففيه وجهان:
الأوّل: وما أبرّئ نفسي عن مراودته، ومقصودها تصديق يوسف عليه السّلام، في قوله: هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي.