فهرس الكتاب

الصفحة 1938 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 118

وأيّا مّا كان فالعموم- على ما قيل- مشكل، فإنّ إبليس وجنوده شرّ منهم أعمالا ومقاما، وكذا المشركون المنافقون؛ حيث ضمّوا إلى الشّرك النّفاق، وقد قال سبحانه: إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ النّساء: 145.

وقال بعض: لا يبعد أن يكون في كفّار الأمم من هو شرّ منهم، كفرعون وعاقر النّاقة.

وأجاب بأنّ المراد ب (البريّة) المعاصرون لهم.

ولا يخفى أنّه يبقى معه الإشكال بإبليس ونحوه.

وأجيب بأنّ ذلك إذا كان الحصر حقيقيّا، وأمّا إذا كان إضافيّا بالنّسبة إلى المؤمنين بحسب زعمهم، فلا إشكال؛ إذ يكون المعنى أولئك هم شرّ البريّة لا غيرهم من المؤمنين، كما يزعمون قالا أو حالا.

وقيل: يراد ب (البريّة) البشر، ويراد بشرّيّتهم:

شرّيّتهم بحسب الأعمال.

ولا يبعد أن يكونوا بحسب ذلك هم شرّ جميع البريّة، لما أنّ كفرهم مع العلم بصحّة رسالته عليه الصّلاة والسّلام، ومشاهدة معجزاته الذّاتيّة والخارجيّة، ووعد الإيمان به عليه الصّلاة والسّلام، ومع إدخالهم به الشّبهة في قلوب من يأتي بعدهم، وتسبّبهم به ضلال كثير من النّاس، إلى غير ذلك ممّا تضمّنه واستلزمه من القبائح شرّ كفر وأقبحه، لا يتسنّى مثله لأحد من البشر إلى يوم القيامة.

وكذا سائر أعمالهم من تحريف الكلم عن مواضعه، وصدّ النّاس عنه صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم، ومحاربتهم إيّاه عليه الصّلاة والسّلام، وكون كفر فرعون وعاقر النّاقة وفعلهما بتلك المثابة غير مسلّم، ويلتزم دخول المنافقين في عموم الّذين كفروا، أو كون كفرهم وأعمالهم دون كفر وأعمال المذكورين، وفيه شي ء لا يخفى فتأمّل.

وقيل: ليس المراد بأولئك الّذين كفروا أقواما مخصوصين، وهم المحدّث عنهم أوّلا بل الأعمّ، الشّامل لهم ولغيرهم من سالف الدّهر إلى آخره، وهو على ما فيه لا يتمّ بدون حمل (البريّة) على"البشر"فلا تغفل.

وقرأ الأعرج وابن عامر ونافع (البريئة) هنا، وفيما بعد بالهمزة.

فقيل: هو الأصل من: برأهم اللّه تعالى، بمعنى ابتدأهم واخترع خلقهم، فهي"فعيلة"بمعنى"مفعولة"لكن عامّة العرب- إلّا أهل مكّة- التزموا تسهيل الهمزة بالإبدال والإدغام، فقالوا: البريّة كما قالوا: الذّرّيّة والخابية.

وقيل: ليس بالأصل، وإنّما (البريّة) بغير همز من البرى المقصور، يعني التّراب، فهو أصل برأسه.

والقراءتان مختلفتان أصلا ومادّة، ومتّفقتان معنى في رأي، وهو أن يكون المراد عليهما"البشر"، ومختلفان فيه أيضا في رأي آخر، وهو أن يكون المراد بالمهموز:

الخليقة الشّاملة للملائكة والجنّ كالبشر، وبغير المهموز البشر المخلوقون من التّراب فقط.

وأيّامّا كان فليست القراءة بالهمز خطأ، كيف وقد نقلت عمّن ثبتت عصمته، مع أنّ الهمز لغة قوم من أنزل عليه الكتاب صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم. (30: 205)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت