فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 193
بالجدال فغلّبه اللّه ولقّنه بالمبكت، وفزعوا إلى القوّة والجبروت فنصره وقوّاه نجيّا من العراق إلى الشّام.
الطّبرسيّ: معناه فلمّا جمعوا الحطب وألقوه في النّار قلنا للنّار ذلك، وهذا مثل، فإنّ النّار جماد لا يصحّ خطابه. والمراد: إنّا جعلنا النّار بردا عليه وسلامة لا يصيبه من أذاها شي ء، كما قال سبحانه وتعالى:
كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ البقرة: 65، والمعنى أنّه صيّرهم كذلك لا أنّه خاطبهم وأمرهم بذلك.
وقيل: يجوز أن يتكلّم اللّه سبحانه بذلك، ويكون ذلك صلاحا للملائكة ولطفا لهم. وذكر في كون النّار بردا على إبراهيم وجوه:
[الأوّل والثّاني تقدّم عن الطّوسيّ]
وثالثها: أنّ الإحراق إنّما يحصل بالاعتمادات الّتي في النّار صعدا، فيجوز أن يذهب سبحانه تلك الاعتمادات.
وعلى الجملة فقد علمنا أنّ اللّه سبحانه منع النّار من إحراقه، وهو أعلم بتفاصيله. (4: 54)
الفخر الرّازيّ: فيه مسائل:
المسألة الأولى: قال أبو مسلم الأصفهانيّ في تفسير قوله تعالى: قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا المعنى أنّه سبحانه جعل النّار بردا وسلاما، لا أنّ هناك كلاما، كقوله: أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ يس: 82، أي يكونه.
وقد احتجّ عليه بأنّ النّار جماد فلا يجوز خطابه، والأكثرون على أنّه وجد ذلك القول، ثمّ هؤلاء لهم قولان:
أحدهما: وهو قول السّدّيّ: أنّ القائل هو جبرئيل عليه السّلام.
والثّاني: وهو قول الأكثرين: أنّ القائل هو اللّه تعالى، وهذا هو الأليق الأقرب بالظّاهر، وقوله: النّار جماد، فلا يكون في خطابها فائدة، قلنا: لم لا يجوز أن يكون المقصود من ذلك الأمر مصلحة عائدة إلى الملائكة.
المسألة الثّانية: اختلفوا في أنّ النّار كيف بردت على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنّ اللّه تعالى أزال عنها ما فيها من الحرّ والإحراق، وأبقى ما فيها من الإضاءة والإشراق، واللّه على كلّ شي ء قدير.
وثانيها: أنّ اللّه تعالى خلق في جسم إبراهيم كيفيّة مانعة من وصول أذى النّار إليه، كما يفعل بخزنة جهنّم في الآخرة، وكما أنّه ركّب بنية النّعامة بحيث لا يضرّها ابتلاع الحديدة المحماة، وبدن السّمندل بحيث لا يضرّه المكث في النّار.
وثالثها: أنّه سبحانه خلق بينه وبين النّار حائلا يمنع من وصول أثر النّار إليه، قال المحقّقون: والأوّل أولى، لأنّ ظاهر قوله: يا نارُ كُونِي بَرْدًا أنّ نفس النّار صارت باردة حتّى سلم إبراهيم من تأثيرها، لا أنّ النّار بقيت كما كانت.
فإن قيل: النّار جسم موصوف بالحرارة واللّطافة، فإذا كانت الحرارة جزء من مسمّى النّار امتنع كون النّار باردة، فإذا وجب أن يقال: المراد من النّار الجسم الّذي هو أحد أجزاء مسمّى النّار؛ وذلك مجاز، فلم كان مجازكم أولى من المجازين الآخرين؟