فهرس الكتاب

الصفحة 2014 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 194

قلنا: المجاز الّذي ذكرناه يبقى معه حصول البرد، وفي المجازين اللّذين ذكرتموهما لا يبقى ذلك، فكان مجازنا أولى.

أمّا قوله تعالى: كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلى إِبْراهِيمَ فالمعنى أنّ البرد إذا أفرط أهلك كالحرّ بل لا بدّ من الاعتدال، ثمّ في حصول الاعتدال ثلاثة أوجه:

أحدها: أنّه يقدّر اللّه تعالى بردها بالمقدار الّذي لا يؤثّر.

وثانيها: أنّ بعض النّار صار بردا وبقي بعضها على حرارته، فتعادل الحرّ والبرد.

وثالثها: أنّه تعالى جعل في جسمه مزيد حرّ فسلم من ذلك البرد، بل قد انتفع به والتذّ. (22: 188)

القرطبيّ: قال بعض العلماء: جعل اللّه فيها بردا يرفع حرّها، وحرّا يرفع بردها، فصارت سلاما عليه.

أبو حيّان: [بعد نقل أقوال مختلفة في كيفيّة كون إبراهيم في النّار ومدّته قال:]

قد أكثر النّاس في حكاية ما جرى لإبراهيم، والّذي صحّ هو ما ذكره تعالى من أنّه ألقي في النّار، فجعلها اللّه عليه بردا وسلاما، وخرج منها سالما، فكانت أعظم آية. (6: 328)

نحوه الآلوسيّ. (17: 68)

البروسويّ: البرد: خلاف الحرّ، والسّلام: التّعرّي من الآفات، أي كوني ذات برد من حرّك، وسلامة من بردك، فزال ما فيها من الحرارة والإحراق وبقي ما فيها من الإضاءة والإشراق، واختاره المحقّقون لدلالة الظّاهر عليه.

وهذا كما ترى من أبدع المعجزات، فإنّ إنقلاب النّار هواء طيّبا وإن لم يكن بدعا من قدرة اللّه، لكن وقوع ذلك على هذه الهيئة ممّا يخرق العادات.

وقيل: كانت النّار بحالها إلّا أنّه تعالى خلق في جسم إبراهيم كيفيّة مانعة من وصول أذى النّار إليه، كخزنة جهنّم في الآخرة، وكما أنّه ركّب بنية النّعامة بحيث لا يضرّها ابتلاع الحديدة المحماة، وبدن السّمندل بحيث لا يضرّه المكث في النّار، كما يشعر به ظاهر قوله: (على ابراهيم) .

قيل: فبردت نار الدّنيا يومئذ ولم ينتفع بها أحد من أهلها، ولو لم يقل: عَلى إِبْراهِيمَ لبقيت ذات برد أبدا على كافّة الخلق بل على جميع الأنبياء، ولو لم يقل:

(سلاما) بعد قوله: (بردا) لمات إبراهيم من بردها. [إلى أن قال:]

قيل: لمّا ألقي في النّار، كان فيها أربعين يوما أو خمسين، وقال: ما كنت أطيب عيشا زمانا من الأيّام الّتي كنت فيها في النّار.

فإن قلت: هل وجد القول من اللّه تعالى؛ حيث قال:

قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا أو هو تمثيل؟

قلت: جعل اللّه النّار باردة من غير أن يكون هناك قول وخطاب، لقوله تعالى: أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ يس: 82.

وذهب بعضهم إلى أنّ ذلك القول قد وجد، والقائل هو اللّه أو جبريل قال بأوامر اللّه.

قال ابن عطاء: سلام إبراهيم من النّار بسلامة صدره

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت