فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 221
وقد بيّنّا أنّه لا حاجة تدعونا إلى تأويل"الأيمان"بالأشياء المحلوف عليها، وعلى مذهبه تكون (ان تبرّوا) في موضع جرّ، ولو ادّعى أن يكون (ان تبرّوا) وما بعده بدلا من (ايمانكم) لكان أولى، لأنّ عطف البيان أكثر ما يكون في الأعلام.
وذهب الجمهور إلى أنّ قوله: (ان تبرّوا) مفعول من أجله، ثمّ اختلفوا في التّقدير، فقيل: كراهة أن تبرّوا، قاله المهدويّ، أو لترك أن تبرّوا، قاله المبرّد. وقيل: لأن لا تبرّوا ولا تتّقوا ولا تصلحوا.
قال أبو عبيدة والطّبريّ كقوله:
* فحالف فلا واللّه تهبط تلعة*
أي لا تهبط. وقيل: ارادة أن تبرّوا، والتّقادير الأول متلاقية من حيث المعنى. وروي هذا المعنى عن ابن عبّاس، ومجاهد، وعطاء، وابن جريج، وإبراهيم، وقتادة، والضّحّاك، والسّدّيّ، ومقاتل، والفرّاء، وابن قتيبة، والزّجّاج في آخر من روي عنهم أنّ المعنى:
لا تحلفوا باللّه أن لا تبرّوا، فيتعلّق بقوله: (و لا تجعلوا) .
ولا يظهر هذا المعنى لما فيه من تعليل امتناع الحلف بانتفاء البرّ بل وقوع الحلف معلّل بانتفاء البرّ، ولا ينعقد منه شرط وجزاء لو قلت: في معنى هذا النّهي.
وعلّته إن حلفت باللّه بررت، لم يصحّ، وذلك كما تقول: لا تضرب زيدا لئلّا يؤذيك، فانتفت الأذاية للامتناع من الضّرب، والمعنى إن لم تضربه لم يؤذك وإن ضربته آذاك، فلا يترتّب على الامتناع من الحلف انتفاء البرّ ولا على وجوده، بل يترتّب على الامتناع من الحلف وجود البرّ، وعلى وقوع الحلف انتفاء البرّ.
وهذا الّذي ذكرناه يؤيّد القول بأنّ التّقدير: إرادة أن تبرّوا، لأنّه يعلّل الامتناع من الحلف بإرادة وجود البرّ، ويتعلّق منه الشّرط والجزاء، تقول: إن حلفت لم تبرّ وإن لم تحلف بررت.
وأمّا معنى التّقوى فظاهر، لأنّه اتّقى أن يصدر منه ما يخلّ بتعظيم اللّه تعالى.
وأمّا الإصلاح بين النّاس فلأنّ النّاس متى اعتقدوا فيه كونه معظّما للّه تعالى إلى هذا الحدّ، محترزا عن الإخلال بواجب حقّه اعتقدوا فيه كونه معظّما للّه وكونه صادقا، بعيدا من الأغراض الفاسدة، فيتقبّلون قوله؛ فيحصل الصّلح بتوسّطه، انتهى هذا الكلام.
وفي"المنتخب"وهو بسط ما قاله الزّمخشريّ، قال:
ومعناها على الأخرى يزيد على أن يكون (عرضة) بمعنى معرضا للأمر. قال: لا تجعلوا اللّه معرضا لأيمانكم فتتبذّلوه بكثرة الحلف به، ولذلك ذمّ من أنزل فيه وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ القلم: 10، بأشنع المذامّ، وجعل الحلّاف مقدّمتها، و (ان تبرّوا) علّة للنّهي، أي إرادة أن تبرّوا وتتّقوا وتصلحوا، لأنّ الحلّاف مجترئ على اللّه غير معظّم له، فلا يكون برّا متّقيا، ولا يتّق به النّاس، فلا يدخلونه في وساطتهم وإصلاح ذات بينهم.
وقيل: المعنى ولا تحلفوا باللّه كاذبين لتبرّوا المحلوف لهم، وتتّقوهم وتصلحوا بينهم بالكذب، روي هذا المعنى عن ابن عبّاس، فقيّد المعلول بالكذب، وقيّد العلّة بالنّاس، والإصلاح بالكذب، وهو خلاف الظّاهر.
وقال الزّمخشريّ: ويتعلّق (ان تبرّوا) بالفعل وبالعرضة، أي ولا تجعلوا اللّه لأجل أيمانكم به عرضة،