فهرس الكتاب

الصفحة 2061 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 241

ثلاثة: برّ في عبادة اللّه تعالى، وبرّ في مراعاة الأقارب، وبرّ في معاملة الأجانب. (1: 53)

نحوه أبو السّعود (1: 129) ، والشّربينيّ (1: 55) .

أبو حيّان: وفي تفسير (البرّ) هنا أقوال: الثّبات على دين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهم لا يتّبعونه، أو اتّباع التّوراة وهم يخالفونها في جحدهم صفته. وروي عن قتادة وابن جريج والسّدّيّ، أو على الصّدقة ويبخلون، أو على الصّدق وهم لا يصدقون، أو حضّ أصحابهم على الصّلاة والزّكاة ولا يأتونهما. (1: 182)

صدر المتألّهين: [قال نحو الطّبرسيّ وأضاف:]

ولك أن تقول: إذا كان فعل البرّ واجبا، والأمر به واجبا، فلماذا وبّخهم اللّه تعالى على الأمر بالبرّ؟

والجواب: لم يوبّخهم على الأمر بالبرّ، وإنّما وبّخهم على ترك فعل البرّ المضموم إلى الأمر به، لأنّ ترك البرّ ممّن يأمر به أقبح من تركه ممّن لا يأمر به. [ثمّ استشهد بشعر]

ومعلوم أنّه لم يرد به منعه عن النّهي عن الخلق المذموم، وإنّما نهاه عن إتيان مثله. فالمراد بالآية حثّ الواعظ على تزكية النّفس والإقبال عليها بالتّكميل، ليقوم فيقيم، ويكمل فيكمل. لا منع الفاسق عن الوعظ كما توهّم، فإنّ الإخلال بأحد الأمرين المأمور بها لا يوجب الإخلال بالآخر.

وقال بعضهم: ليس للعاصي أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، بل يجب أن لا يكون الآمر والنّاهي مرتكبا للمحرّمات، واشترط العدالة محتجّا بالنّقل والعقل:

أمّا النّقل: فهذه الآية، وقوله تعالى: لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ الصّفّ: 2، 3، وما روي عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله أنّه قال:"مررت ليلة أسري بي بقوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقلت: من أنتم؟ فقالوا: كنّا نأمر بالخير ولا نأتيه، وننهى عن الشّرّ ونأتيه".

وأمّا المعقول: فهو إنّه لو جاز ذلك لجاز لمن يزني بامرأة أن ينكر عليها على كشف وجهها في أثناء الزّنى.

ومعلوم أنّ ذلك مستنكر عقلا، وإنّ هداية الغير فرع الاهتداء، والإقامة بعد الاستقامة، ولهذا قيل:"إنّ الإصلاح زكاة نصاب الصّلاح".

والجواب: إنّ المكلّف كما هو مأمور بفعل المعروف، مأمور بالأمر به للغير، وكما هو مأمور بترك المعصية، مأمور بمنع الغير عن فعلها مطلقا. ثمّ المنع عن الجمع بين فعل المعصية ومنع الغير عنها أو أمرهم بالطّاعة يتصوّر على وجهين، لكونه ذا جزئين. وفساد المركّب من الجزئين إمّا أن يكون لفساد أحد جزئيه بخصوصه، أو لفساد انضمام أحدهما: بالآخر.

فهاهنا ثلاثة احتمالات، لكن أحدها وهو كون المنع متعلّقا بفعل الطّاعة ظاهر البطلان بالاتّفاق، فبقي احتمالان آخران: أحدهما أن يكون المنع متوجّها إلى فعل المعصية، كنسيان النّفس فيما نحن فيه. والثّاني: أن يكون متوجّها إلى الأمر بالمعروف أو النّهي عن المنكر مع فعل المعصية؛ فيكون المنع هاهنا عن ترغيب النّاس بالبرّ مع نسيان النّفس.

والحقّ في معنى الآية عندنا هو الأوّل، لا الثّاني،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت