فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 245
تُوَلُّوا و (ليس البرّ ان تولّوا) ، فمن نصب جعل (ان) مع صلتها الاسم، فيكون المعنى ليس توليتكم وجوهكم البرّ كلّه، ومن رفع (البرّ) فالمعنى ليس البرّ كلّه توليتكم، فيكون (البرّ) اسم (ليس) وتكون (ان تولّوا) الخبر.
وقوله عزّ وجلّ: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ إذا شدّدت (لكنّ) نصبت (البرّ) وإذا خفّفت رفعت (البرّ) فقلت: ولكن البرّ من آمن باللّه، وكسرت النّون من التّخفيف لالتقاء السّاكنين، والمعنى ولكن ذا البرّ من آمن باللّه، ويجوز أن تكون ولكنّ البرّ برّ من آمن باللّه. [ثمّ استشهد بشعر] (1: 246)
الشّريف المرتضى: إن سأل سائل عن قوله تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ...
البقرة: 177.
فقال: كيف ينفي كون تولية الوجوه إلى الجهات من البرّ، وإنّما يفعل ذلك في الصّلاة وهي برّ لا محالة؟ وكيف خبّر عن (البرّ) ب (من) والبرّ كالمصدر، و (من) اسم محض. [إلى أن قال:]
يقال له: فيما ذكرته أوّلا جوابان:
أحدهما: أنّه أراد تعالى: ليس الصّلاة هي البرّ كلّه، لكنّه ما عدّد في الآية من ضروب الطّاعات وصنوف الواجبات، فلا تظنّوا أنّكم إذا توجّهتم إلى الجهات بصلاتكم، فقد أحرزتم البرّ بأسره، وحزتموه بكماله، بل يبقى عليكم بعد ذلك معظمه وأكثره.
والجواب الثّاني: أنّ النّصارى لمّا توجّهوا إلى المشرق؛ واليهود إلى بيت المقدس، واتّخذوا هاتين الجهتين قبلتين، واعتقدوا في الصّلاة إليهما أنّهما برّ وطاعة خلافا على الرّسول صلّى اللّه عليه وآله أكذبهم اللّه تعالى في ذلك، وبيّن أنّ ذلك ليس من البرّ، إذ كان منسوخا بشريعة النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله، الّتي تلزم الأسود والأبيض، والعربيّ والعجميّ، وأنّ البرّ هو ما تضمّنته الآية.
فأمّا إخباره ب (من) ففيه وجوه ثلاثة:
أوّلها: أن يكون معنى (البرّ) هاهنا البارّ وذا البرّ، وجعل أحدهما في مكان الآخر، والتّقدير: ولكنّ البارّ من آمن باللّه. ويجري ذلك مجرى قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْرًا الملك: 30، يريد غائرا.
[ثمّ استشهد بشعر]
والوجه الثّاني: أنّ العرب قد تخبر عن الاسم بالمصدر والفعل، وعن المصدر بالاسم، فأمّا إخبارهم عن المصدر بالاسم فقوله تعالى: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ، وقول العرب: إنّما البرّ الّذي يصل الرّحم ويفعل كذا وكذا، وأمّا إخبارهم عن الاسم بالمصدر والفعل فمثل قول الشّاعر:
لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللّحى ... ولكنّما الفتيان كلّ فتى ند
فجعل"أن تنبت"وهو مصدر خبرا عن الفتيان.
والوجه الثّالث: أن يكون المعنى ولكن البرّ برّ من آمن؛ فحذف البرّ الثّاني، وأقام (من) مقامه؛ كقوله:
وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ البقرة: 93، أراد: حبّ العجل. [ثمّ استشهد بشعر]
وتقول العرب: بنو فلان يطؤهم الطّريق، أي أهل