فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 249
والنّصب.
قال أبو عليّ: حجّة من رفع (البرّ) أن ليس يشبه الفعل، وكون الفاعل بعد الفعل أولى من كون المفعول بعده، وحجّة من نصب (البرّ) أنّه قد حكي عن بعض شيوخنا أنّه قال في هذا النّحو: أن يكون الاسم"ان"وصلتها أولى بشبهها بالمضمر، في أنّها لا توصف كما لا يوصف المضمر، وكأنّه اجتمع مضمر ومظهر.
والأولى إذا اجتمعا أن يكون المضمر الاسم من حيث كان أذهب في الاختصاص من المظهر. قال ابن جنّيّ: يجوز أن يكون إنّما نصب (البرّ) مع الباء، بأن جعل الباء زائدة، كقولهم: وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا النّساء: 171.
من نصب (البرّ) جعل (أن) مع صلتها اسم (ليس) أي ليس توليتكم وجوهكم البرّ كلّه، ومن رفع (البرّ) فالمعنى ليس البرّ كلّه توليتكم. وكلا المذهبين حسن، لأنّ كلّ واحد من اسم ليس وخبرها معرفة، فإذا اجتمعا في التّعريف تكافآ في كون أحدهما اسما والآخر خبرا، كما تتكافأ النّكرتان، وقد ذكرنا الوجه في ترجيح أحد المذهبين على الآخر.
(و لكنّ البرّ) إذا شدّدت (لكنّ) نصبت (البرّ) وإذا خفّفت رفعت (البرّ) وكسرت النّون مع التّخفيف لالتقاء السّاكنين.
وأمّا الإخبار عن (البرّ) ب (من آمن) ففيه وجوه ثلاثة:
أحدها: أن يكون (البرّ) بمعنى البارّ، فجعل المصدر في موضع اسم الفاعل، كما يقال: ماء غور، أي غائر، ورجل صوم، أي صائم. [ثمّ استشهد بشعر]
وثانيها: أنّ المعنى ولكن ذا البرّ من آمن باللّه، فحذف المضاف من الاسم.
وثالثها: أن يكون التّقدير: ولكن البرّ برّ من آمن باللّه، فحذف المضاف من الخبر، وأقام المضاف إليه مقامه. [ثمّ استشهد بشعر إلى أن قال:]
لمّا حوّلت القبلة وكثر الخوض في نسخها، وصار كأنّه لا يراعى بطاعة اللّه إلّا التّوجّه للصّلاة، وأكثر اليهود والنّصارى ذكرها؛ أنزل اللّه سبحانه هذه الآية.
عن أبي القاسم البلخيّ وعن قتادة: أنّها نزلت في اليهود.
لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ البقرة: 177، بيّن سبحانه أنّ البرّ كلّه ليس في الصّلاة، فإنّ الصّلاة إنّما أمر بها لكونها مصلحة في الإيمان وصارفة عن الفساد، وكذلك العبادات الشّرعيّة إنّما أمر بها لما فيها من الألطاف والمصالح الدّينيّة، وذلك يختلف بالأزمان والأوقات، فقال: ليس البرّ كلّه في التّوجّة إلى الصّلاة. حتّى يضاف إلى ذلك غيره من الطّاعات الّتي أمر بها، عن ابن عبّاس ومجاهد واختاره أبو مسلم.
وقيل: معناه ليس البرّ ما عليه النّصارى من التّوجّه إلى المشرق، ولا ما عليه اليهود من التّوجّه إلى المغرب، عن قتادة والرّبيع واختاره الجبّائيّ والبلخيّ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ أي لكن البرّ برّ من آمن باللّه، كقولهم: السّخاء حاتم والشّعر زهير، أي السّخاء سخاء حاتم والشّعر شعر زهير، عن قطرب والزّجّاج والفرّاء واختاره الجبّائيّ.
وقيل: ولكن البارّ أو ذا البرّ من آمن باللّه، أي صدّق