فهرس الكتاب

الصفحة 2070 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 250

باللّه، ويدخل فيه جميع ما لا يتمّ معرفة اللّه سبحانه إلّا به، كمعرفة حدوث العالم وإثبات المحدث وصفاته الواجبة والجائزة، وما يستحيل عليه سبحانه، ومعرفة عدله وحكمته. (1: 261)

الفخر الرّازيّ: المسألة الثّالثة: قرأ حمزة وحفص عن عاصم (ليس البرّ) بنصب الرّاء، والباقون بالرّفع.

قال الواحديّ: وكلا القراءتين حسن، لأنّ اسم (ليس) وخبرها اجتمعا في التّعريف، فاستويا في كون كلّ واحد منهما اسما، والآخر خبرا.

وحجّة من رفع (البرّ) أنّ اسم (ليس) مشبّه بالفاعل، وخبرها بالمفعول، والفاعل بأن يلي الفعل أولى من المفعول.

ومن نصب (البرّ) ذهب إلى أنّ بعض النّحويّين قال:

(ان) مع صلتها أولى أن تكون اسم (ليس) لشبهها بالمضمر، في أنّها لا توصف كما لا يوصف المضمر، فكأن هاهنا اجتمع مضمر ومظهر.

والأولى إذا اجتمعا أن يكون المضمر الاسم من حيث كان أذهب في الاختصاص من المظهر، وعلى هذا قرئ في التّنزيل قوله: فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ الحشر: 17، وقوله: فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا العنكبوت: 24، ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا الجاثية: 25.

والاختيار رفع (البرّ) لأنّه روي عن ابن مسعود أنّه قرأ (ليس البرّ بان) والباء تدخل في خبر (ليس) .

المسألة الرّابعة: البرّ اسم جامع للطّاعات، وأعمال الخير المقرّبة إلى اللّه تعالى، ومن هذا برّ الوالدين، قال تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ* وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ الإنفطار: 13، 14، فجعل البرّ: ضدّ الفجور، وقال:

وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ المائدة: 2، فجعل البرّ: ضدّ الإثم، فدلّ على أنّه اسم عامّ لجميع ما يؤجر عليه الإنسان. وأصله من الاتّساع، ومنه البرّ الّذي هو خلاف البحر، لاتّساعه.

المسألة الخامسة: قال القفّال: قد قيل في نزول هذه الآية أقوال: والّذي عندنا: أنّه أشار إلى السّفهاء الّذين طعنوا في المسلمين، وقالوا: ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها البقرة: 142، مع أنّ اليهود كانوا يستقبلون المغرب، والنّصارى كانوا يستقبلون المشرق، فقال اللّه تعالى: إنّ صفة البرّ لا تحصل بمجرّد استقبال المشرق والمغرب، بل البرّ لا يحصل إلّا عند مجموع أمور:

أحدها: الإيمان باللّه، وأهل الكتاب أخلّوا بذلك، أمّا اليهود فلقولهم: بالتّجسيم، ولقولهم: بأنّ عزيرا ابن اللّه.

وأمّا النّصارى فلقولهم: المسيح ابن اللّه، ولأنّ اليهود وصفوا اللّه بالبخل، على ما حكى اللّه تعالى ذلك عنهم بقوله: قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ آل عمران:

وثانيها: الإيمان باليوم الآخر، واليهود أخلّوا بهذا الإيمان؛ حيث قالوا: وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُودًا أَوْ نَصارى البقرة: 111، وقالوا: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً البقرة: 80، والنّصارى أنكروا المعاد الجسمانيّ، وكلّ ذلك تكذيب باليوم الآخر.

وثالثها: الإيمان بالملائكة، واليهود أخلّوا بذلك، حيث أظهروا عداوة جبريل عليه السّلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت