فهرس الكتاب

الصفحة 2071 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 251

ورابعها: الإيمان بكتب اللّه، واليهود والنّصارى قد أخلّوا بذلك، لأنّ مع قيام الدّلالة على أنّ القرآن كتاب اللّه ردّوه ولم يقبلوه، قال تعالى: وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ البقرة: 85.

وخامسها: الإيمان بالنّبيّين، واليهود أخلّوا بذلك؛ حيث قتلوا الأنبياء، على ما قال تعالى: وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِ البقرة: 61، وحيث طعنوا في نبوّة محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم.

وسادسها: بذل الأموال على وفق أمر اللّه سبحانه واليهود أخلّوا بذلك، لأنّهم يلقون الشّبهات لطلب المال القليل، كما قال: وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا آل عمران:

وسابعها: إقامة الصّلوات والزّكوات، واليهود كانوا يمنعون النّاس منها.

وثامنها: الوفاء بالعهد، واليهود نقضوا العهد؛ حيث قال: أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ البقرة: 40.

وهاهنا سؤال: وهو أنّه تعالى نفى أن يكون التّوجّه إلى القبلة برّا، ثمّ حكم بأنّ (البرّ) مجموع أمور، أحدها:

الصّلاة، ولا بدّ فيها من الاستقبال، فيلزم التّناقض، ولأجل هذا السّؤال اختلف المفسّرون على أقوال:

الأوّل: أنّ قوله: (ليس البرّ) نفي لكمال البرّ، وليس نفيا لأصله، كأنّه قال: ليس البرّ كلّه هو هذا، فإنّ (البرّ) اسم لمجموع الخصال الحميدة، واستقبال القبلة واحد منها، فلا يكون ذلك تمام البرّ.

الثّاني: أن يكون هذا نفيا لأصل كونه برّا، لأنّ استقبالهم للمشرق والمغرب، كان خطأ في وقت النّفي، حين ما نسخ اللّه تعالى ذلك، بل كان ذلك إثما وفجورا، لأنّه عمل بمنسوخ قد نهى اللّه عنه، وما يكون كذلك فإنّه لا يعدّ في البرّ.

الثّالث: أنّ استقبال القبلة لا يكون برّا إذا لم يقارنه معرفة اللّه، وإنّما يكون برّا إذا أتى به مع الإيمان وسائر الشّرائط، كما أنّ السّجدة لا تكون من أفعال البرّ، إلّا إذا أتى بها مع الإيمان باللّه ورسوله، فأمّا إذا أتى بها بدون هذا الشّرط، فإنّها لا تكون من أفعال البرّ.

روي أنّه لما حوّلت القبلة، كثر الخوض في نسخها، وصار كأنّه لا يراعى بطاعة اللّه إلّا الاستقبال، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية، كأنّه تعالى قال: ما هذا الخوض الشّديد في أمر القبلة، مع الإعراض عن كلّ أركان الدّين.

المسألة السّادسة: قوله: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ فيه حذف، وفي كيفيّته وجوه:

أحدها: ولكن البرّ برّ من آمن باللّه، فحذف المضاف، وهو كثير في الكلام، كقوله: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ البقرة: 93، أي حبّ العجل، ويقولون:

الجواد حاتم، والشّعر زهير، والشّجاعة عنترة، وهذا اختيار الفرّاء، والزّجّاج، وقطرب. قال أبو عليّ: ومثل هذه الآية قوله: أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِ التّوبة: 19، ثمّ قال: (كمن امن) وتقديره: أجعلتم أهل سقاية الحاجّ كمن آمن، أو أجعلتم سقاية الحاجّ كإيمان من آمن. ليقع التّمثيل بين مصدرين أو بين فاعلين؛ إذ لا يقع التّمثيل بين مصدر وفاعل.

وثانيها: قال أبو عبيدة: (البرّ) هاهنا بمعنى البارّ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت