فهرس الكتاب

الصفحة 2076 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 256

المعنى، لأنّ كلّ فريق يدّعي أنّ (البرّ) هذا، فيجب أن يكون الرّدّ موافقا لدعواهم، وما ذلك إلّا بكون (البرّ) اسما كما يفصح عنه جعله مخبرا عنه في الاستدراك، بقوله عزّ وجلّ: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ.

وهو تحقيق للحقّ بعد بيان بطلان الباطل، وتفصيل لخصال (البرّ) ممّا لا يختلف باختلاف الشّرائع، وما يختلف باختلافها، أي ولكن البرّ المعهود الّذي يحقّ أن يهتمّ بشأنّه ويجدّ في تحصيله برّ من آمن باللّه وحده إيمانا بريئا من شائبة الإشراك، لا كإيمان اليهود والنّصارى المشركين بقولهم: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقولهم:

الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ. (1: 234)

نحوه البروسويّ (1: 281) ، والآلوسيّ (2: 45) .

رشيد رضا: ادّعى"الجلال"أنّ هذه الآية نزلت للرّدّ على النّصارى الّذي يولّون وجوههم في صلاتهم قبل المشرق، واليهود الّذي يولّونها قبل بيت المقدس.

وهذا ادّعاء لم يثبت، والصّحيح قريب منه وهو: أنّ أهل الكتاب أكبروا أمر تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة كما تقدّم في آيات التّحويل وحكمه، وطال خوضهم فيها حتّى شغلوا المسلمين بها، وغلا كلّ فريق في التّمسّك بما هو عليه وتنقيص مقابله، كما هو شأن البشر في كلّ خلاف يثير الجدل والنّزاع.

فكان أهل الكتاب يرون أنّ الصّلاة إلى غير قبلتهم لا تقبل عند اللّه تعالى، ولا يكون صاحبها على دين الأنبياء، والمسلمون يرون أنّ الصّلاة إلى المسجد الحرام هو كلّ شي ء، لأنّه قبلة إبراهيم وأوّل بيت وضع لعبادة اللّه تعالى وحده.

فأراد اللّه تعالى أن يبيّن للنّاس كافّة أنّ مجرّد تولية الوجه قبلة مخصوصة ليس هو البرّ المقصود من الدّين، ذلك أنّ استقبال الجهة المعيّنة إنّما شرّع لأجل تذكير المصلّي بالإعراض عن كلّ ما سوى اللّه تعالى في صلاته، والإقبال على مناجاته ودعائه وحده، وليكون شعارا لاجتماع الأمّة. فتولية الوجه وسيلة للتّذكير بتولية القلب، وليس ركنا من العبادة بنفسه، وأن يبيّن لهم أصول البرّ ومقاصد الدّين فقال: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ.

قرأ حمزة وحفص بنصب (البرّ) والباقون برفعه، وكلاهما ظاهر.

والبرّ، بكسر الباء لغة: التّوسّع في الخير، مشتقّ من"البرّ"بالفتح، وهو مقابل البحر في تصوّر سعته، كما قال الرّاغب. وشرعا: ما يتقرّب به إلى اللّه تعالى من الإيمان والأخلاق والأعمال الصّالحة.

وتوجيه الوجوه إلى المشرق أو المغرب ليس هو البرّ ولا منه، بل ليس في نفسه عملا صالحا، كما تقدّم شرحه في آيات تحويل القبلة، وأحلنا فيه على هذه الآية الّتي بيّن اللّه فيها مجامع البرّ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ.

قرأ الجمهور (لكنّ) بالتّشديد ونافع وابن عامر بالتّخفيف، أي ولكن جملة البرّ هو من آمن باللّه إلخ.

وفيه الإخبار عن المعنى بالذّات، وهو معهود في الكلام العربيّ الفصيح، والقرآن جار على الأساليب العربيّة الفصحى، لا على فلسفة النّحاة وقوانينهم الصّناعيّة، وبلاغة هذه الأساليب إنّما هي في إيصال

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت