فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 257
المعاني المقصودة إلى الذّهن على أجلى وجه يريده المتكلّم، وأحسن تأثير يقصده. ومثل هذا التّعبير لا يزال مألوفا عند أهل العربيّة على فساد ألسنتهم في اللّغة، يقولون: ليس الكرم أن تدعو الأغنياء والأصدقاء إلى طعامك ولكنّ الكرم من يعطي الفقراء العاجزين عن الكسب.
فالكلام مفهوم بدون أن نقول: إنّ معناه: ولكن ذا الكرم من يعطي، أو لكنّ الكرم عطاء من يعطي.
وإنّما نحن في حاجة إلى بيان النّكتة في اختيار ذلك على قول: ولكنّ البرّ هو الإيمان باللّه إلخ. وهذه النّكتة مفهومة من العبارة فإنّها تمثّل لك المعنى في نفس الموصوف به، فتفيدك أنّ (البرّ) هو الإيمان وما يتبعه من الأعمال باعتبار اتّحادهما، وتلبّس المؤمن البارّ بهما معا، من حيث إنّ الإيمان باعث على الأعمال، وهي منبعثة عنه وأثر له تستمدّ منه وتمدّه وتغذّيه، أي إنّها تمثّل لك المعنى في الشّخص، أو الشّخص عاملا بالبرّ، وهذا أبلغ في النّفس هنا من إسناد المعنى إلى المعنى، ومن إسناد الذّات إلى الذّات، كما هو مذوق ومفهوم.
ابتدأ بذكر الإيمان باللّه واليوم الآخر، لأنّه أساس كلّ برّ، ومبدأ كلّ خير، ولا يكون الإيمان أصلا للبرّ إلّا إذا كان متمكّنا من النّفس بالبرهان، مصحوبا بالخضوع والإذعان. (2: 109)
الطّباطبائيّ: البرّ بالكسر: التّوسّع، من الخير والإحسان، والبرّ بالفتح: صفة مشبّهة منه.
قوله تعالى: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ عدل عن تعريف البرّ بالكسر إلى تعريف البرّ بالفتح، ليكون بيانا وتعريفا للرّجال مع تضمّنه لشرح وصفهم، وإيماء إلى أنّه لا أثر للمفهوم الخالي عن المصداق ولا فضل فيه. وهذا دأب القرآن في جميع بياناته، فإنّه يبيّن المقامات ويشرح الأحوال بتعريف رجالها، من غير أن يقنع ببيان المفهوم فحسب.
وبالجملة قوله: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ تعريف للأبرار وبيان لحقيقة حالهم، وقد عرّفهم أوّلا في جميع المراتب الثّلاث من الاعتقاد والأعمال والأخلاق، بقوله:
مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وثانيا بقوله: أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وثالثا بقوله: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ. [إلى أن قال:]
والّذي بيّنه تعالى في هذه الآية من أوصاف الأبرار هي الّتي ذكرها في غيرها، قال تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا* عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا* يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا* وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا* إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ - إلى أن قال- وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا الدّهر:
5 -12، فقد ذكر فيها الإيمان باللّه واليوم الآخر والإنفاق لوجه اللّه والوفاء بالعهد والصّبر.
وقال تعالى أيضا: كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ* وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ* كِتابٌ مَرْقُومٌ* يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ* إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ - إلى أن قال - يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ - إلى أن قال- عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ المطفّفين: 18 - 28.
بالتّطبيق بين هذه الآيات والآيات السّابقة عليها يظهر حقيقة وصفهم ومآل أمرهم إذا تدبّرت فيها، وقد