فهرس الكتاب

الصفحة 2078 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 258

وصفتهم الآيات بأنّهم عباد اللّه وأنّهم المقرّبون، وقد وصف اللّه سبحانه عباده فيما وصف بقوله: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ الحجر: 42، ووصف المقرّبين بقوله: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ* أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ* فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ الواقعة: 10 - 12، فهؤلاء هم السّابقون في الدّنيا إلى ربّهم السّابقون في الآخرة إلى نعيمه، ولو أدمت البحث عن حالهم فيما تعطيه الآيات لوجدت عجبا.

وقد بان ممّا مرّ أنّ (الابرار) أهل المرتبة العالية من الإيمان، وهي المرتبة الرّابعة على ما مرّ بيانه سابقا، قال تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ الأنعام: 82. (1: 428)

حسنين مخلوف: (البرّ) : اسم جامع لكلّ خير، ولكلّ طاعة وقربة إلى اللّه تعالى، أي ولكنّ البرّ برّ من آمن؛ وحذف المضاف على حدّ: الجود حاتم، أي الجود جود حاتم، أو ولكنّ البرّ، أي البارّ من آمن، على أنّه اسم فاعل من برّ يبرّ فهو برّ، وأصله: برر، فلمّا أريد الإدغام نقلت كسرة الرّاء إلى ما قبلها بعد سلب حركتها.

وقد اشتملت الآية على خمسة عشر نوعا من أنواع البرّ، وهي ردّ لما زعمته اليهود من أنّ (البرّ) هو مجرّد التّوجّه إلى جهة المغرب، وما زعمته النّصارى من أنّه مجرّد التّوجّه إلى جهة المشرق، أي ليس البرّ كلّه فيما زعموا وإنّما فيما بيّنته الآية. (58)

مكارم الشّيرازيّ: ذكرنا في تفسير آيات تغيير القبلة، أنّ النّصارى كانوا يتّجهون في عباداتهم نحو الشّرق واليهود نحو الغرب، وقرّر اللّه الكعبة قبلة للمسلمين، وكانت في اتّجاه الجنوب وسطا بين الاتّجاهين. ومرّ بنا الحديث عن الضّجّة الّتي أثيرت بين أعداء الإسلام والمسلمين الجدد بشأن تغيير القبلة.

الآية أعلاه تخاطب هؤلاء، وتقول: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ.

البرّ، في الأصل: التّوسّع، ثمّ أطلق على أنواع الإحسان، لأنّ الإنسان بالإحسان يخرج من إطار، ذاته ليتّسع ويصل عطاؤه إلى الآخرين.

والبرّ، بفتح الباء: فاعل البرّ، وهي في الأصل الصّحراء والمكان الفسيح، وأطلقت على المحسن بنفس اللّحاظ السّابق.

ثمّ يبيّن القرآن أهمّ أصول البرّ والإحسان، وهي ستّة، فيقول: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ.

هذا هو الأساس الأوّل: الإيمان بالمبدإ والمعاد، والملائكة المأمورين من قبل اللّه، والمنهج الإلهيّ، والنّبيّين الدّعاة إلى هذا المنهج. والإيمان بهذه الأمور يضي ء وجود الإنسان، وتخلق فيه الدّافع القويّ للحركة على طريق البناء، والأعمال الصّالحة.

جدير بالذّكر أنّ الآية تقول: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ...

ولم تقل ولكنّ البرّ بفتح الباء، أو البارّ بصيغة اسم الفاعل، أي إنّ الآية استعملت المصدر بدل الوصف، وهذا يفيد بيان أعلى درجات التّأكيد في اللّغة العربيّة، فحين يقول أحد: عليّ عدل، فهو يقصد أنّه عادل للغاية، وحين يقول: بني أميّة ذلّ الإسلام، فيعني أنّ كلّ وجودهم ذلّ للإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت