فهرس الكتاب

الصفحة 2099 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 279

يلاحظ أوّلا: أنّ الثّلاث الأولى مدنيّة والثّلاث الأخيرة مكّيّة، بناء على كون سورة الدّهر مدنيّة، فكأنّ اللّه تعالى وزّع (الابرار) بين المكّيّ والمدنيّ بالسّويّة، مع أنّه خصّ (البرّ) بالمكّيّ، و (البرّ) بالمدنيّ، كما سبق.

ف (الابرار) كانوا نماذج للعباد الصّالحين وأسوة لهم أمام المؤمنين طيلة نزول الوحي، سواء في مكّة أم في المدينة، ليلحقوا بركبهم ويصبحوا أبرارا بإيمانهم وأعمالهم.

ثانيا: لقد راعى اللّه تعالى- فضلا عن ذلك- القسط في العدد، فأتى ب (الابرار) في سورة مدنيّة- آل عمران- مرّتين وفي سورة مكّيّة- المطفّفين- مرّتين أيضا، وخصّ كلّا من سورتي الإنسان المدنيّة والانفطار المكّيّة بمرّة واحدة.

ثالثا: جاء (الابرار) في آيتي آل عمران في سياق بيان عاقبة المؤمنين القدوة، والّذين آمنوا والّذين اتّقوا في الآخرة وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ* وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ دون وصف للأبرار ولا مقارنة فيما بينهم وبين الفجّار، بخلاف سائر الآيات، ففيها وصف لهم، ومقابلة لهم بمن كانوا على خلافهم.

رابعا: وصف الأبرار في سورة الدّهر (5 - 22) بأنّهم يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا* عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا* يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا إلى قوله: وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهُورًا* إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا فخصّ (17) آية من هذه السّورة- الّتي تضمّ (30) آية- بأوصافهم وعاقبتهم السّعيدة في الدّار الآخرة.

وقد جعل الأبرار صنفا مقابلا لصنف الكافرين، فقال قبل هذه الآيات: إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالًا وَسَعِيرًا الدّهر: 4، ثمّ عقّبها بذكر الأبرار ووصفهم بتلك الأوصاف السّامية، فكأنّ اللّه أنزل هذه السّورة في شأن الأبرار، وأتى بذكر الكافرين استطرادا، كما هو ديدن القرآن عند المقابلة بين السّعداء والأشقياء، وبين التّحذير والتّبشير، لئلّا تخلو السّورة من ذلك.

ومن هنا جاء في الرّوايات أنّها نزلت في شأن عليّ وفاطمة وابنيهما عليهم السّلام، وقال العلّامة الطّباطبائيّ: إنّ سياقها يحكي أنّها نزلت بشأن حادثة خاصّة، فلاحظ.

خامسا: أمّا في سورة الانفطار فقد عكس الوصف، فجاء بالأبرار إزاء الفجّار: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ* وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ الانفطار: 13، 14، واكتفى في الأبرار بأنّهم في نعيم، دون أن يصف هذا النّعيم كما وصفه في سورة الدّهر. أمّا الفجّار الّذين هم في الجحيم فوصفهم بأنّهم يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ* وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ الانفطار: 15، 16، ثمّ وصف يوم الدّين بقوله:

وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ* ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ* يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ الانفطار: 17 - 19.

فنستشفّ من سورة الدّهر أنّ الرّحمة فيها غلّبت على العذاب، وأنّ العذاب في سورة الانفطار غلّب على الرّحمة.

سادسا: وأمّا سورة المطفّفين ففيها ذكر للأبرار مرّتين: مرّة ذكر كتاب الأبرار قبال كتاب الفجّار، ببدء كلّ منهما ب (كلّا) الرّادعة لمن توهّم خلاف ما ذكره في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت