المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 306
وقد أطلق على القبر برزخا مجازا، لأنّه بين الدّنيا والآخرة، ثمّ أطلق على المدّة بينهما توسّعا، يقال للرّجل إذا مات: فلان في البرزخ، أي بين الدّنيا والآخرة. ومن المجاز أيضا قولهم لما بين الشّكّ واليقين: برازخ الإيمان، أو هو ما بين أوّل الإيمان وآخره.
2 -وقال الرّاغب:"قيل: أصله: برزه، فعرّب"، ولم يفصح عن أيّ لغة نقل إلى العربيّة، وعن معناه في تلك اللّغة. إلّا أنّه يحتمل أن يريد به فارسيّ المنشأ، لكون الرّاغب فارسيّا ملمّا بلغة قومه. ولكنّ معنى هذا اللّفظ في الفارسيّة- وهو زراعة البذر- يجعل المسافة بين هذين اللّفظين شاسعة جدّا، وكذلك اللّفظ، رغم تقاربهما فيه؛ إذ من عادة العرب أن يبدّلوا الحرف الأخير من اللّفظ الأعجميّ إذا كان هاء بالجيم، مثل: فيروزج وفالوذج، وأصلهما في الفارسيّة"فيروزه"و"فالوده".
3 -وممّن قال بأعجميّته من المعاصرين المستشرق آرثرجفري، فقطع بذلك معلّلا رأيه بعدم اشتقاق فعل منه، وعدم استعماله في الشّعر القديم، ولكنّه لم يذكر أصله ومنشأه.
ثمّ عرض رأي بعض المعاصرين فيه، واستبعد رأي من قال بأنّه معرّب"پرزك"، أي الباكي أو المتأوّه بالفارسيّة، لعدم المناسبة بينهما. ووافق بتحفّظ رأي من ذهب إلى أنّه معرّب"پرسنگ"، ويعني في الفارسية القديمة وحدة قياس المسافة، ويطلق عليه في الفارسيّة الحديثة"فرسنگ"، ومعرّبه"فرسخ".
ولكنّنا نرى ذلك بعيدا أيضا، لعدم تناسبهما معنى ولفظا أوّلا، ثمّ وجود اللّفظ المعرّب- وهو فرسخ- ثانيا؛ إذ العرب لا يعرّبون اللّفظ الأعجميّ بأكثر من لفظ واحد غالبا.
4 -ولا شكّ أنّ هذا اللّفظ يشعر من له حسّ مرهف في اللّغة بأنّه لفظ خارج عن طور العربيّة، إمّا بإضافة حرف إليه- وهو الخاء- للدّلالة على معنى زائد فيه، كالمبالغة- كما قيل- فيكون على غرار ألفاظ ندّت عن موادّها، مثل: برزق من (ب ر ز) ، وبذرق من (ب ذ ر) ، وزرقم من (ز ر ق) وهلمّ جرّا.
وإمّا أعجميّ مجهول المنشأ؛ إذ ما ورد في أصله لا يفي بإقناع الحاذق من اللّغويّين. فإن قيل: أصله"برزه"أو"پرزگ"أو"پرسنگ"- كما تقدّم- يقال: ما المناسبة بين البرزخ وهذه الألفاظ؟ وإن قيل: أصله"پرده"- أي ستر في الفارسيّة- يقال: كيف أصبح اللّفظ برزخا؟
الاستعمال القرآنيّ
جاء هذا اللّفظ في ثلاث آيات:
1 -حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
المؤمنون: 99، 100
2 -مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ* بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ الرّحمن: 19، 20
3 -وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا الفرقان: 53
يلاحظ أوّلا: أنّ هذا الاسم في الآيات الثّلاث جاء