فهرس الكتاب

الصفحة 2127 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 307

نكرة، وهو يرمز بذلك إلى تعظيمه وخطورة أمره.

ثانيا: يبدو من سياق الآيات الثّلاث أنّ البرزخ حائل لا يمكن اجتيازه، وهو يحول بين بيئتين متباينتين تباينا فاحشا، وهما الدّنيا والآخرة في (1) ، والبحر العذب والملح في (2) و (3) .

ثالثا: استعمل القرآن الكريم لفظ البرزخ في (1) حول الموت والحياة، كجواب حاسم يردّ قول الكافر:

رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ، ولا يتحقّق هذا الرّدّ إلّا بضرب سور بينه وبين ما يشتهي.

رابعا: جاء لفظ البرزخ مرّتين في الحاجز بين البحرين، ومرّة في الحاجز بين الدّنيا والآخرة، والأوّل محسوس، والثّاني غير محسوس. فالمحسوس كرّر تأكيدا على إثبات غير المحسوس، أي الّذي جعل بين البحرين حاجزا قادر على أن يجعل بين الدّنيا والآخرة حاجزا.

خامسا: قد فسّر البحران في آية (الفرقان) بالعذب الفرات والملح الأجاج، لاحظ"أ ج ج"، والحاجز بينهما برزخ بينهما، أي حاجز بينهما. وهذا دليل على وجود بحرين كذلك مع حاجز بينهما، فأين هذان البحران والحاجز؟

وقد فسّر بعضهم الحاجز بالجزيرة الواقعة بين البحرين، لتمنع من اختلاطهما، وهذا المعنى كالصّريح في قوله: وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزًا النّمل: 61، فإنّ"الحجر المحجور"في آية الفرقان هو الأرض الحائلة بينهما؛ وعليه فالبرزخ هو الحاجز بين بحرين ليس غير.

وهناك رأي اختاره الطّبريّ، وهو أنّ المراد بالحاجز: الماء المختلط بين العذب والفرات، يجري بين البحرين ليحجزهما، مستدلّا بصدر الآية مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ، فالمرج هو الخلط؛ وعليه فالمراد بالحاجز:

الماء دون الأرض، وفيه معنى المنع والمزج معا. فالبرزخ بين البحرين هو الماء المختلط منهما، يمنع اختلاطهما لجريانه بشدّة بينهما.

وهذا ما نشاهده في الأنهار الكبار الّتي تصبّ في البحار؛ حيث تحتفظ بعذوبتها خلال مسافة طويلة لشدّة جريانها، ثمّ يختلط ماؤها بماء البحر المالح تدريجيّا حتّى يذوب فيه، ولكنّه ماء عذب بين ملحين، وليس بين بحر عذب وبحر ملح؛ وعليه فلا شاهد له فيما نعرفه من البحار والأنهار، فالمتعيّن هو الأوّل، وهو الأرض الحاجزة بين بحر عذب وبحر أجاج، ولها نظائر في أرجاء المعمورة.

سادسا: لم نجد في النّصوص اللّغويّة في مفهوم"البرزخ"سوى الحاجز والمانع بين الشّيئين، من دون إشارة إلى المختلط والممتزج منهما، فلا ندري من أين جاء هذا المعنى! ولا سيّما في البرزخ بين الدّنيا والآخرة؛ حيث فسّروه ب (العالم الثّالث) ، وقالوا إنّه متوسّط بين الدّنيا والآخرة، ومثال لهما، ففيه جزء دنيويّ، وهو الصّورة، وجزء أخرويّ، وهو التّجرّد من المادّة.

سابعا: قالوا: في البرزخ بعد الموت: إنّه حاجز للأموات يمنعهم من الرّجوع إلى الدّنيا كما سبق، وهذا يناسب سياق الآيات حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، فإنّهم تمنّوا الرّجوع إلى الدّنيا، فردّ اللّه عليهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت