فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 1، ص: 224
فعلا من الأفعال مع خلق من خلقه؟ يقصد إلى مجازاتهم ويقضي في أمرهم ما هو قاض، وكما أنّه سبحانه أحدث فعلا سمّاه نزولا واستواء، كذلك يحدث فعلا يسمّيه إتيانا، وأفعاله بلا آلة ولا علّة، سبحانه. وقد سكت بعضهم عن تأويلها، وتأوّلها بعضهم كما ذكرنا.
ولا يجوز أن يحمل هذا وما أشبهه ممّا جاء في القرآن والخبر على وجه الانتقال والحركة والزّوال، لأنّ ذلك من صفات الأجرام والأجسام، تعالى اللّه الكبير المتعال ذو الجلال والإكرام عن مماثلة الأجسام علوّا كبيرا.
النّيسابوريّ: أمّا إتيان اللّه فقد أجمع المفسّرون على أنّه سبحانه منزّه عن المجي ء والذّهاب، لأنّ هذا من شأن المحدثات والمركّبات، وأنّه تعالى أزليّ فرد في ذاته وصفاته. فذكروا في الآية وجهين:
الأوّل: وهو مذهب السّلف الصّالح، السّكوت في مثل هذه الألفاظ عن التّأويل، وتفويضه إلى مراد اللّه تعالى، كما يروى عن ابن عبّاس أنّه قال: نزل القرآن على أربعة أوجه: وجه لا يعذر أحد بجهالته، ووجه يعرفه العلماء ويفسّرونه، ووجه يعرف من قبل العربيّة فقط، ووجه لا يعلمه إلّا اللّه.
الثّاني: وهو قول جمهور المتكلّمين أنّه لا بدّ من التّأويل على سبيل التّفصيل، فقيل: جعل مجي ء الآيات مجيئا له تفخيما لها، كما يقال: جاء الملك، إذا جاء جيش عظيم من جهته.
وقيل: المراد إتيان أمره وبأسه، فحذف المضاف بدليل قوله في موضع آخر: أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ النّحل:
33 فَجاءَها بَأْسُنا الأعراف: 4.
قيل: المأتيّ به محذوف، والمعنى إلّا أن يأتيهم اللّه ببأسه أو بنقمته؛ للدّلالة عليه بقوله: (عزيز) . وفائدة الحذف كونه أبلغ في الوعيد، لانقسام خواطرهم وذهاب فكرتهم في كلّ وجه.
وقيل: الغرض من ذكر إتيان اللّه تصوير غاية الهيبة ونهاية الفزع، كقوله تعالى: وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ الزّمر: 67، ولا قبض ولا طيّ ولا يمين، وإنّما الغرض تصوير عظمة شأنه. (2: 204)
أبو حيّان: الإتيان: حقيقة في الانتقال من حيّز إلى حيّز، وذلك مستحيل بالنّسبة إلى اللّه تعالى، فروى أبو صالح عن ابن عبّاس أنّ هذا من المكتوم الّذي لا يفسّر ولم يزل السّلف في هذا وأمثاله يؤمنون، ويكلون فهم معناه إلى علم المتكلّم به وهو اللّه تعالى.
والمتأخّرون تأوّلوا"الإتيان"وإسناده على وجوه:
أحدها: أنّه إتيان على ما يليق باللّه تعالى من غير انتقال.
الثّاني: أنّه عبّر به عن المجازات لهم والانتقام، كما قال: فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ النّحل: 26، فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا الحشر: 2.
الثّالث: [قول الزّجّاج وقد تقدّم] .
الرّابع: أنّه على حذف مضاف، التّقدير: أمر اللّه، بمعنى ما يفعله اللّه بهم، لا الأمر الّذي مقابله النّهي، ويبيّنه قوله بعد: وَقُضِيَ الْأَمْرُ ... البقرة: 210.
الخامس: قدرته.