فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 343
يحاول أن يوفّق بين ظاهر الآية، وما قاله الفلاسفة الطّبيعيّون في الرّعد والبرق، فيؤوّل الآية. ومنهم من يبقي الآية على ظاهرها، وينحى باللّائمة على الفلاسفة وأضرابهم، الّذين قاربوا أن يصلوا إلى ما وصل إليه العلماء في العصر الحديث.
ففي تفسير"الخازن"قال أكثر المفسّرين: على أنّ (الرّعد) اسم للملك الّذي يسوق السّحاب، والصّوت المسموع منه تسبيحه. ثمّ أورد على هذا القول أنّ ما عطف عليه، وهو قوله تعالى: وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ يقتضي أن يكون المعطوف عليه مغايرا للمعطوف، لأنّه الأصل، ثمّ أجاب: بأنّه من قبيل ذكر الخاصّ قبل العامّ تشريفا!
وقد بسط الآلوسيّ في تفسيره - كما هي عادته- الأقوال في الآية، وذكر أنّ للعلماء في إسناد التّسبيح إلى (الرّعد) قولين: أنّ في الكلام حذفا، أي سامعو الرّعد، أو أنّ الإسناد مجازيّ من قبيل الإسناد إلى السّبب والحامل عليه، والباء في (بحمده) للملابسة، أي يسبّح السّامعون لذلك الصّوت متلبّسين بحمد اللّه، فيقولون:
سبحان اللّه، والحمد للّه.
ومن العلماء من قال: إنّ تسبيح الرّعد بلسان الحال لا بلسان المقال، حيث شبّه دلالة الرّعد على قدرة اللّه وعظمته، وإحكام صنعته، وتنزيهه عن الشّريك والعجز، بالتّسبيح والتّنزيه، والتّحميد اللّفظيّ، ثمّ استعار لفظ (يسبّح) لهذا المعنى. وقالوا: إنّ هذا المعنى أنسب.
وكلّ هذا من العلماء في الحقيقة تخلّص من حمل الآية على ظاهرها، وأنّ المراد بالرّعد: الملك الموكّل بالسّحاب.
ثمّ قال الآلوسيّ: والّذي اختاره أكثر المحدّثين أنّ الإسناد حقيقيّ؛ بناء على أنّ (الرّعد) اسم للملك الّذي يسوق السّحاب. فقد روى أحمد، والتّرمذيّ وصحّحه، والنّسائيّ، وآخرون عن ابن عبّاس- رضوان اللّه عليه- أنّ اليهود سألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله، فقالوا: أخبرنا ما هذا الرّعد؟ فقال عليه السّلام:"ملك من ملائكة اللّه موكّل بالسّحاب، بيديه مخراق من نار، يزجر به السّحاب، يسوقه حيث أمره اللّه تعالى"، قالوا: فما ذلك الصّوت الّذي نسمعه؟ قال:"صوته"قالوا: صدقت.
وهذا الحديث إن صحّ يمكن حمله على التّمثيل، ولكن لا يطمئنّ القلب إليه، ولا يكاد يصدق وروده عن المعصوم صلّى اللّه عليه وآله. وإنّما هو من إسرائيليّات بني إسرائيل، ألصقت بالنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله زورا، ثمّ كيف يتلائم ما روي مع قوله قبل: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ، وقوله بعد: وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ الرّعد: 12، 13.
فالآية في بيان قدرة اللّه وعظمته في إحداث هذه الآيات الكونيّة، على حسب ما خلقه اللّه في الكون من نواميس، وأسباب عاديّة! وإنّما المناسب أن نفسّر"تسبيح الرّعد"بلسان الحال، وعطف (الملائكة) على (الرّعد) يقتضي أن يكون (الرّعد) غيرها لما ذكرنا.
وكأنّ السّرّ في الجمع بينهما بيان أنّه تواطأ على