فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 377
في قول القائلين من سلطان.
ولا نملك أن نمضي أكثر من هذا في تصوير بركة هذا الكتاب، وما نحن ببالغين لو مضينا شيئا أكثر من شهادة اللّه له بأنّه (مبارك) ، ففيها فصل الخطاب. (2: 1147)
الطّباطبائيّ: إنّ الأوصاف المذكورة للكتاب بقوله: مُبارَكٌ مُصَدِّقُ إلخ، بمنزلة الأدلّة على كونه نازلا من اللّه وليست بأدلّة، فمن أمارات أنّه منزل من عند اللّه أنّه مبارك أودع اللّه فيه البركة والخير الكثير، يهدي النّاس للّتي هي أقوم، يهدي به اللّه من اتّبع رضوانه سبل السّلام.
ينتفع به النّاس في دنياهم باجتماع شملهم، وقوّة جمعهم، ووحدة كلمتهم، وزوال الشّحّ من نفوسهم، والضّغائن من قلوبهم، وفشوّ الأمن والسّلام، ورغد عيشتهم، وطيب حياتهم، وانجلاء الجهل وكلّ رذيلة عن ساحتهم، واستظلالهم بمظلّة سعادتهم. وينتفعون به في أخراهم بالأجر العظيم والنّعيم المقيم.
ولو لم يكن من عند اللّه سواء كان مختلفا من عند بشر، كشبكة يغرّ بها النّاس فيصطادون، أو كان تزويقا نفسانيّا، أو إلقاء شيطانيّا، يخيّل إلى الّذي جاء به أنّه وحي سماويّ من عند اللّه، وليس من عنده، لم تستقرّ فيه، ولا ترتّب عليه هذه البركات الإلهيّة والخير الكثير، فإنّ سبيل الشّرّ لا يهدي سالكه إلّا إلى الشّرّ، ولن ينتج فساد صلاحا، وقد قال تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُ النّحل: 37، وقال: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ الصّفّ: 5، وقال: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا الأعراف: 58. (7: 279)
[و بعد نقل كلام الرّاغب قال:]
فالبركة بالحقيقة هي الخير المستقرّ في الشّي ء اللّازم له، كالبركة في النّسل، وهي كثرة الأعقاب، أو بقاء الذّكر بهم خالدا، والبركة في الطّعام: أن يشبع به خلق كثير مثلا، والبركة في الوقت: أن يسع من العمل ما ليس في سعة مثله أن يسعه.
غير أنّ المقاصد والمآرب الدّينيّة لمّا كانت مقصورة في السّعادات المعنويّة أو الحسّيّة الّتي تنتهي إليها بالآخرة، كان المراد بالبركة الواقعة في الظّواهر التّي فيها هو الخير المعنويّ، أو ينتهي إليه، كما أنّ مباركته تعالى الواقعة في قول الملائكة النّازلين على إبراهيم عليه السّلام:
رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ هود: 73، خيرات متنوّعة معنويّة كالدّين والقرب وغيرهما، وحسّيّة كالمال وكثرة النّسل وبقاء الذّكر وغيرها، وجميعها مربوطة بخيرات معنويّة.
وعلى هذا فالبركة أعني كون الشّي ء مشتملا على الخير المطلوب، كالأمر النّسبيّ يختلف باختلاف الأغراض، لأنّ خيريّة الشّي ء إنّما هي بحسب الغرض المتعلّق به، فالغرض من الطّعام ربّما كان إشباعه الجائع، أو أن لا يضرّ آكله، أو أن يؤدّي إلى شفاء واستقامة مزاج، أو يكون نورا في الباطن يتقوّى به الإنسان على عبادة اللّه، ونحو ذلك، كانت البركة فيه استقرار شي ء من هذه الخيرات فيه بتوفيق اللّه تعالى، بين الأسباب والعوامل المتعلّقة به ورفعه الموانع.
ومن هنا يظهر أنّ نزول البركة الإلهيّة على شي ء