فهرس الكتاب

الصفحة 2204 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 384

وليتأمّل كم عدد الصّفوف المحيطة بهذه الدّائرة حال اشتغالهم بالصّلاة، ولا شكّ أنّه يحصل فيما بين هؤلاء المصلّين أشخاص أرواحهم علويّة، وقلوبهم قدسيّة، وأسرارهم نورانيّة، وضمائرهم ربّانيّة.

ثمّ إنّ تلك الأرواح الصّافية إذا توجّهت إلى كعبة المعرفة، وأجسادهم توجّهت إلى هذه الكعبة الحسّيّة، فمن كان في الكعبة يتّصل أنوار أرواح أولئك المتوجّهين بنور روحه، فتزداد الأنوار الإلهيّة في قلبه، ويعظم لمعان الأضواء الرّوحانيّة في سرّه. وهذا بحر عظيم ومقام شريف، وهو ينبّهك على معنى كونه مباركا.

وأمّا إن فسّرنا"البركة"بالدّوام، فهو أيضا كذلك، لأنّه لا تنفكّ الكعبة من الطّائفين والعاكفين والرّكّع السّجود.

وأيضا الأرض كرة، وإذا كان كذلك، فكلّ وقت يمكن أن يفرض، فهو صبح لقوم، وظهر لثان، وعصر لثالث، ومغرب لرابع، وعشاء لخامس، ومتى كان الأمر كذلك لم تكن الكعبة منفكّة قطّ عن توجّه قوم إليها من طرف من أطراف العالم، لأداء فرض الصّلاة، فكان الدّوام حاصلا من هذا الجهة.

وأيضا بقاء الكعبة على هذا الحالة ألوفا من السّنين دوام أيضا؛ فثبت كونه مباركا من الوجهين. (8: 158)

نحوه النّيسابوريّ (4: 12) ، والآلوسيّ (5: 4) .

ابن عربيّ: ذا بركة إلهيّة، من الفيض المتّصل منه بجميع الوجود، والقوّة، والحياة. (1: 203)

القرطبيّ: جعله مباركا لتضاعف العمل فيه، فالبركة: كثرة الخير.

ونصب على الحال من المضمر في (وضع) ، أو بالظّرف من (بكّة) ، المعنى الّذي استقرّ بِبَكَّةَ مُبارَكًا.

ويجوز في غير القرآن مبارك، على أن يكون خبرا ثانيا، أو على البدل من (الّذى) أو على إضمار مبتدإ. [إلى أن قال:]

ويجوز في غير القرآن"مبارك"بالخفض، يكون نعتا للبيت. (4: 139)

رشيد رضا: هو بيان لحاله الحسنة الحسّيّة وحاله الشّريفة المعنويّة.

أمّا الأولى: فهي ما أفيض عليه من بركات الأرض وثمرات كلّ شي ء، على كونه بواد غير ذي زرع، فترى الأقوات والثّمار في مكّة أكثر وأجود، وأقلّ ثمنا منها في مثل مصر وكثير من بلاد الشّام.

وأمّا الثّانية: فهي هوى أفئدة النّاس إليه، وإتيانه للحجّ والعمرة، مشاة وركبانا من كلّ فجّ، وتولية وجوههم شطره في الصّلاة. ولعلّه لا تمرّ ساعة ولا دقيقة من ليل أو نهار وليس فيها أناس متوجّهون إلى ذلك البيت الحرام يصلّون.

فأيّ هداية للعالمين أظهر من هذه الهداية، تلك دعوة إبراهيم رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ إبراهيم: 37.

وقد أشير إلى الواصفين في قوله تعالى حكاية عن المشركين: وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت