فهرس الكتاب

الصفحة 2259 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 439

رجل لا يحفظ اسمه: إنّ المراد بالبرهان هو النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم.

وروي ذلك عن ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما، وعبّر عنه عليه الصّلاة والسّلام بذلك لما معه من المعجزات الّتي تشهد بصدقه صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم.

وقيل: المراد بذلك: دين الحقّ الّذي جاء به النّبيّ صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم.

والتّنوين للتّفخيم، و (من) لابتداء الغاية مجازا، وهي متعلّقة ب (جاء) أو بمحذوف وقع صفة مشرفة ل (برهان) مؤكّدة لما أفاده التّنوين.

وجوّز أن تكون تبعيضيّة بحذف المضاف، أي كائن من براهين ربّكم، والتّعرّض لعنوان الرّبوبيّة مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين، لإظهار اللّطف بهم، والإيذان بأنّ مجي ء ذلك لتربيتهم وتكميلهم. (6: 42)

رشيد رضا: أي قد جاءكم من قبل ربّكم- بفضله وعنايته بتربيتكم وتزكية نفوسكم- برهان عظيم أو جليّ يبيّن لكم حقيقة الإيمان الصّحيح باللّه عزّ وجلّ، وجميع ما تحتاجون إليه من أمر دينكم، مؤيّدا لكم ذلك بالدّلائل والبّينات والحكم، وهو محمّد النّبيّ العربيّ الأمّيّ، الّذي يظهر لكلّ من عرف سيرته في نشأته وتربيته، وحاله في بعثته وسنّته.

أنّه هو نفسه برهان على حقّيّة ما جاء به، أمّيّ لم يتعلّم شيئا من الكتب قطّ، ولم يعن في طفوليّته ولا في شبابه بشي ء ممّا كان يسمّى علما عند قومه الأمّيّين، كالشّعر والنّسب وأيّام العرب.

قام في كهولته يعلّم الأمّيّين والمتعلّمين حقائق العلوم الإلهيّة، وصفات الرّبوبيّة، وما يجب لتلك الذّات العليّة، وما تتزكّى به النّفس البشريّة، وتصلح به الحياة الاجتماعيّة.

ويكشف ما اشتبه على أهل الكتاب من أصول دينهم، وما اضطرب فيه نظّار الفلسفة العليا من مسائل فلسفتهم، ويرفع قواعد الإيمان على أساس الحجج الكونيّة العقليّة، ويسلك هذا المسلك في بيان الشّرائع العمليّة، والحكمة الأدبيّة، والسّياسة الحربيّة والاجتماعيّة، كلّ ذلك كان على طريق الحجّة والبرهان، فلا غرو أن يسمّى هو نفسه برهانا.

وهو برهان بسيرته العمليّة، كما أنّه برهان في دعوته العلميّة الشّرعيّة، فقد نشأ يتيما لم يعن بتربيته عالم ولا حكيم ولا سياسيّ، بل ترك كما كان ولدان المشركين يتركون وشأنهم، وكان في سنّ التّعليم وتكوّن الأخلاق والملكات يرعى الغنم نهارا وينام من أوّل اللّيل، فلا يحضر سمّار قومه (مواضع السّمر في اللّيل) ولا معاهد لهوهم، واتّجر قليلا في شبابه مع قومه من أبناء الجاهليّة وأترابه.

فهو لم يصادف من التّربية المنزليّة والتّأديب الاجتماعيّ في أوّل نشأته، ما يؤهّله للمنصب الّذي تصدّى له في كهولته، وهو تربية الأمم تربية دينيّة اجتماعيّة سياسية حربيّة، ولكنّه قام بهذه التّربية أكمل قيام، وما زال يعجز عن مثل ما قام به من يستعدّون له بالعلوم والأعمال، فكان بهذا"برهانا"على عناية اللّه به، وتأييده إيّاه بوحيه وتوفيقه. (6: 98)

عبد الكريم الخطيب: بعد أن كشف اللّه سبحانه وتعالى ما عليه أهل الكتاب من عمى وضلال، ومن غلوّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت