فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 440
في جانب، وتقصير من جوانب أخرى، جاء هذا النّداء الكريم من قبل الحقّ، دعوة عامّة للنّاس جميعا، أن ينظروا في أنفسهم، وأن يدعوا هذا الضّلال الّذي هم فيه، وأن يتلفّتوا إلى هذا الرّسول الكريم، الّذى هو برهان مبين، وحجّة مشرقة لا يزيغ عنها إلّا ضالّ، ولا يجحد بها إلّا هالك، فإنّها تحمل بين يديها هذا النّور السّماويّ، الّذي فيه تبصرة لأولي الألباب، وهدى للمتّقين.
ووصف الرّسول الكريم بأنّه برهان من عند اللّه، لما يحمل من الأمارات الدّالّة على أنّه رسول ربّ العالمين، تحدّثت به التّوراة، وتحدّث به الإنجيل، وعرف أهل الكتاب من اليهود والنّصارى صفته، فجاء على الوصف الّذي يعرفونه، ثمّ جحدوه وأنكروه، فهو حجّة قائمة عليهم، ودينونة معلّقة في أعناقهم. (3: 1019)
مكارم الشّيرازيّ: لقد توجّه الخطاب أوّلا إلى عامّة النّاس، مبيّنا أنّ اللّه قد بعث من جانبه نبيّا يحمل معه الدّلائل والبراهين الواضحة، وبعث معه النّور المبين المتجسّد في القرآن الكريم الّذي يهدي إلى طريق السّعادة الأبديّة، حيث تقول الآية الأولى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا النّساء: 174.
ويعتقد بعض العلماء أنّ كلمة (برهان) المشتقّة من المصدر"بره"على وزن"فرح"تعني الابيضاض- ولمّا كانت الأدلّة الواضحة تجلي للسّامع وجه الحقّ وتجعله واضحا مشرقا أبيض لذلك سمّيت ب"البرهان".
والمقصود ب"البرهان"الوارد في الآية موضوع البحث- وكما يقول جمع من المفسّرين وتؤكّد ذلك القرائن- هو شخص نبيّ الإسلام صلّى اللّه عليه وآله.
وأنّ المقصود ب"النّور"هو القرآن المجيد الّذي عبّرت عنه آيات أخرى بالنّور أيضا.
وقد فسّرت الأحاديث المتعدّدة المنقولة عن أهل البيت عليهم السّلام- والّتي أوردتها تفاسير"نور الثّقلين"و"عليّ بن إبراهيم"و"مجمع البيان"- أنّ"البرهان"هو النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله، و"النّور"هو عليّ بن أبي طالب عليه السّلام.
ولا يتنافى هذا التّفسير مع ذلك الّذي أوردناه قبله، حيث يمكن أن يقصد بعبارة"النّور"معان عديدة لتشمل"القرآن"و"أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام"الّذي يعتبر حافظا ومفسّرا للقرآن ومدافعا عنه.
وتوضح الآية الثّانية عاقبة أنواع هذا البرهان وهذا النّور، فتؤكّد على أنّ الّذين آمنوا باللّه وتمسّكوا بهذا الكتاب السّماويّ، سيدخلهم اللّه عاجلا في رحمته الواسعة، ويجزل لهم الثّواب من فضله ورحمته، ويهديهم إلى الطّريق المستقيم. تقول الآية: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا النّساء: 175.
2 -وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ. يوسف: 24
ابن عبّاس: نودي يا يوسف أتزني؟ فتكون كالطّير