فهرس الكتاب

الصفحة 2264 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 444

تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ الصّفّ: 2، 3.

وأيضا أنّ اللّه تعالى عيّر اليهود بقوله: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ البقرة: 44، وما يكون عيبا في حقّ اليهود كيف ينسب إلى الرّسول المؤيّد بالمعجزات!

وأمّا الّذين نسبوا المعصية إلى يوسف عليه السّلام فقد ذكروا في تفسير ذلك"البرهان"أمورا:

الأوّل: قالوا: إنّ المرأة قامت إلى صنم مكلّل بالدّرّ والياقوت في زاوية البيت فسترته بثوب، فقال يوسف:

لم فعلت ذلك؟ قالت: أستحيي من إلهي هذا أن يراني على معصية.

فقال يوسف: أتستحيين من صنم لا يعقل ولا يسمع ولا أستحيي من إلهي القائم على كلّ نفس بما كسبت، فو اللّه لا أفعل ذلك أبدا. قالوا: فهذا هو البرهان.

الثّاني: نقلوا عن ابن عبّاس رضي اللّه عنهما: أنّه تمثّل له يعقوب فرآه عاضّا على أصابعه، ويقول له:

أتعمل عمل الفجّار وأنت مكتوب في زمرة الأنبياء، فاستحى منه.

الثّالث: قالوا: إنّه سمع في الهواء قائلا يقول: يا ابن يعقوب لا تكن كالطّير يكون له ريش، فإذا زنى ذهب ريشه.

الرّابع: نقلوا عن ابن عبّاس رضي اللّه عنهما: أنّ يوسف عليه السّلام لم ينزجر برؤية صورة يعقوب حتّى ركضه جبريل عليه السّلام، فلم يبق فيه شي ء من الشّهوة إلّا خرج.

ولمّا نقل الواحديّ هذه الرّوايات تصلّف، وقال:

"هذا الّذي ذكرناه قول أئمّة التّفسير الّذين أخذوا التّأويل عمّن شاهد التّنزيل".

فيقال له: إنّك لا تأتينا ألبتّة إلّا بهذه التصلّفات الّتي لا فائدة فيها، فأين هذا من الحجّة والدّليل، وأيضا فإنّ ترادف الدّلائل على الشّي ء الواحد جائز، وأنّه عليه الصّلاة والسّلام كان ممتنعا عن الزّنى بحسب الدّلائل الأصليّة، فلمّا انضاف إليها هذه الزّواجر قوي الانزجار وكمل الاحتراز.

والعجب أنّهم نقلوا: أنّ جروا دخل حجرة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، وبقي هناك بغير علمه، قالوا: فامتنع جبريل عليه السّلام من الدّخول عليه أربعين يوما. وهاهنا زعموا: أنّ يوسف عليه السّلام حال اشتغاله بالفاحشة ذهب إليه جبريل عليه السّلام.

والعجب أنّهم زعموا: أنّه لم يمتنع عن ذلك العمل بسبب حضور جبريل عليه السّلام، ولو أنّ أفسق الخلق وأكفرهم كان مشتغلا بفاحشة، فإذا دخل عليه رجل على زيّ الصّالحين استحيا منه وفرّ، وترك ذلك العمل.

وهاهنا أنّه رأى يعقوب عليه السّلام عضّ على أنامله فلم يلتفت إليه، ثمّ إنّ جبريل عليه السّلام على جلالة قدره دخل عليه فلم يمتنع أيضا عن ذلك القبيح بسبب حضوره، حتّى احتاج جبريل عليه السّلام إلى أن يركضه على ظهره.

فنسأل اللّه أن يصوننا عن الغيّ في الدّين، والخذلان في طلب اليقين، فهذا هو الكلام الملخّص في هذه المسألة واللّه أعلم. (18: 119)

أبو حيّان: [و بعد نقل أقوال المتقدّمين قال:]

وأمّا أقوال السّلف فنعتقد أنّه لا يصحّ عن أحد منهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت