فهرس الكتاب

الصفحة 2318 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 498

إليه من بعيد يطلبه ويدعوه.

والحاصل أنّه شبّه آلهتهم حين استكفائهم إيّاهم ما أهمّهم بلسان الاضطرار في عدم الشّعور، فضلا عن الاستطاعة للاستجابة، وبقائهم لذلك في الخسار بحال ماء بمرأى من عطشان باسط كفّيه إليه يناديه عبارة وإشارة، فهو لذلك في زيادة الكباد والبوار.

والتّشبيه على هذا من المركّب التّمثيليّ في الأصل أبرز في معرض التّهكّم حيث أثبت أنّهما استجابتان زيادة في التّخسير والتّحسير، فالاستثناء مفرّغ من أعمّ عامّ المصدر، كما أشرنا إليه.

والظّاهر أنّ"الاستجابة"هناك مصدر من المبنيّ للفاعل، وهو الّذي يقتضيه الفعل الظّاهر. وجوّز أن يكون من المبنيّ للمفعول، ويضاف إلى"الباسط"بناء على استلزام المصدر من المبنيّ للفاعل للمصدر من المبنيّ للمفعول وجودا وعدما، فكأنّه قيل: لا يستجيبون لهم بشي ء فلا يستجاب لهم استجابة كائنة كاستجابة من بسط كفّيه إلى الماء. [ثمّ استشهد بشعر]

وأبو البقاء يجعل"الاستجابة"مصدر المبنيّ للمفعول، وإضافته إلى (باسط) من باب إضافة المصدر إلى مفعوله، كما في قوله تعالى: لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ فصّلت: 49، والفاعل ضمير (الماء) على الوجه الثّاني في الموصول.

وقد يراد من بسط الكفّين إلى الماء: بسطهما، أي نشر أصابيعهما ومدّها لشربه، لا للدّعاء والإشارة إليه، كما أشرنا إليه فيما تقدّم. وعلى هذا قيل: شبّه الدّاعون لغير اللّه تعالى بمن أراد أن يغرف الماء بيديه فبسطهما ناشرا أصابعه، في أنّهما لا يحصلان على طائل.

وجعل بعضهم وجه الشّبه: قلّة الجدوى، ولعلّه أراد عدمها، لكنّه بالغ بذكر القلّة، وإرادة العدم دلالة على هضم الحقّ وإيثار الصّدق، ولإشمام طرف من التّهكّم.

والتّشبيه على هذا من تشبيه المفرد المقيّد، كقولك لمن لا يحصل من سعيه على شي ء: هو كالرّاقم على الماء، فإنّ المشبّه هو السّاعي مقيّدا بكون سعيه كذلك، والمشبّه به هو الرّاقم مقيّدا بكونه على الماء، كذلك فيما نحن فيه، وليس من المركّب العقليّ في شي ء على ما توهّم.

نعم وجه الشّبه عقليّ اعتباريّ والاستثناء مفرّغ عن أعمّ عامّ الأحوال، أي لا يستجيب الآلهة لهؤلاء الكفرة الدّاعين إلّا مشبّهين، أعني الدّاعين بمن بسط كفّيه ولم يقبضهما وأخرجهما كذلك فلم يحصل على شي ء، لأنّ الماء يحصل بالقبض لا بالبسط.

وروي عن عليّ كرّم اللّه تعالى وجهه: أنّ ذلك تشبيه بعطشان على شفير بئر بلارشاء، ولا يبلغ قعر البئر ولا الماء يرتفع إليه، وهو راجع إلى الوجه الأوّل وليس مغايرا له، كما قيل.

وعن أبي عبيدة: أنّ ذلك تشبيه بالقابض على الماء في أنّه لا يحصل على شي ء، ثمّ قال: والعرب تضرب المثل في السّاعي فيما لا يدركه بذلك. [ثمّ استشهد بشعر]

وهو راجع إلى الوجه الثّاني خلا أنّه لا يظهر من (باسط) معنى قابض، فإنّ بسط الكفّ ظاهر في نشر الأصابيع ممدودة. [ثمّ استشهد بشعر]

وكيفما كان فالمراد ب (باسط) شخص باسط، أيّ شخص كان. وما يقتضيه ظاهر ما روي عن بكير بن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت