المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 507
5 -ومغزى جملة"يبسط الرزق ويقدر"أو يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ- كما يفصح عنه سياق الآيات- أنّ أزمّة العباد في أرزاقهم الّتي بها قوام حياتهم بسطا وقبضا بيد اللّه تعالى وليس بيدهم، وإن كانوا مأمورين بالسّعي والعمل، وهذا من فضل اللّه على العباد، حيث أناط معيشتهم بمشيئته، ليتوجّهوا إليه في جميع الحالات، فالرّزق رباط وثيق بين اللّه وعباده، يقودهم به طوعا أو كرها إلى طاعته.
ثانيا: هناك أربع آيات جاء"البسط"فيها بمعنى بسط القدرة والبطش بالآخرين، وهي (2) و (14) و (15) و (19) ، فالآية الأولى (2) حكاية لحال ابني آدم؛ حيث بسط أحدهما يده إلى الآخر وقتله، وهو لم يبسط يده إلى أخيه، وفيها بحثان:
الأوّل: أنّ الطّريف فيها الفرق بين الجملتين بأمرين:
1 -أنّ الأخ المقتول ينسب البسط إلى القاتل بلفظ الفعل (بسطت) إيجابا، وإلى نفسه بلفظ اسم فاعل ما أَنَا بِباسِطٍ نفيا. ووجهه ظاهر، فإنّ القتل يقع مرّة ولا يستمرّ، أمّا عدم القتل فيدوم، فأتى باسم الفاعل الدّالّ على الثّبات مقترنا بالنّفي ومؤكّدا بالباء ما أَنَا بِباسِطٍ، وبالقسم في أوّله (لئن) ، فإنّ اللّام للقسم، فالأخ المقتول يؤكّد على أنّه ليس ذلك الرّجل الّذي يبسط يده إلى قتل أخيه إطلاقا، وأنّ ذلك ليس من شأنه، وأنّه ليس ممّن يوصم به؛ وذلك ليتبرّأ من مقدّمات القتل فضلا عن القتل.
2 -تقديم (الى) في بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ وتأخيره في ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ إيذانا من أوّل الأمر بوقوع القتل عليه بيد أخيه، ليثير فيه عاطفة الأخوّة، أو تأكيدا لحرص أخيه على الإضرار به، خلافا لما هو عليه، فلا حرص له ولا عزم على قتل أخيه، بل لا يخطر بباله ذلك.
الثّاني: أثيرت في النّصوص الشّبهة التّالية: لماذا لم يدافع الأخ المقتول عن نفسه؟ فهو استسلم لأخيه القاتل ليقتله، رغم أنّ الدّفاع عن النّفس واجب عقلا وشرعا؟ وأجابوا عنها بوجوه:
1 -ليس في الآية أنّه قال: لا أدافع عن نفسي، بل قال: لا أبتدؤك بالقتل، أو لا أقتلك ظلما كما تقتلني ظلما، أو أنّ"اللّام"في (لاقتلك) هي"لام"كي، وهي منبئة عن الإرادة والغرض، وإرادة القتل واتّخاذه غرض قبيح أوّلا وآخرا، إلى غير ذلك ممّا قيل.
2 -ما كان الدّفاع عن النّفس واجبا يوم ذاك، بل كان الحكم الاستسلام للقاتل، فنسخت بالشّرائع بعده ولا سيّما في الإسلام.
والصّواب عندنا أنّها لا تتضمّن حكم الدّفاع، بل حكم القتل ابتداء ظلما وإثما، لقوله في آخرها: إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ* إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ ... المائدة: 28، 29، ويؤيّده ما سبق من الفرق بين الجملتين وفي وجه التّقديم والتّأخير.
والآية الثّانية إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ ... ، وقد اختلفت الأقوال والرّوايات في شأن نزول هذه الآية، وقد جمعها الطّبرسيّ في مجمع البيان (3: 343) ، وتردّد فيها الطّباطبائيّ، فلاحظ. وما يهمّنا