المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 509
إلى ملّتهم وتكفروا بدينكم، فهم في الحقيقة أعداء لدينكم وأعداء لكم من أجل دينكم.
والآية الرّابعة (19) : وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ:
1 -البسط فيها بمعنى مدّ اليد للعذاب، ويحتمل فيها وجهان:
الأوّل: أنّ الملائكة يعذّبوهم، كما جاء في وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ الأنفال: 50.
الثّاني: يمدّون أيديهم إليهم لقبض أرواحهم، فجملة أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ تفسير لبسط أيديهم إليهم، أو أنّ الملائكة يقبضون أرواحهم مع تقريعهم بهذا القول، فيجمعون بين التّعذيب الجسديّ والنّفسيّ، وهو أبلغ في تشديد العذاب.
2 -الإتيان بالوصف والإضافة باسِطُوا أَيْدِيهِمْ بدل"يبسطوا أيديهم"أو"باسطون أيديهم"فيه تأكيد على شدّة العمل ودوامه، كأنّ هذا شأن الملائكة دائما أمام الكفّار، وهذا كما يقال:"فلان قائم اللّيل، صائم النّهار"، فإنّه أبلغ من أن يقال:"يقوم في اللّيل ويصوم في النّهار"، أو"هو قائم في اللّيل وصائم في النّهار".
3 -فسياقها عنف وإلحاح وتشديد في عذاب الكفّار عند الفزع.
ثالثا: وهناك آيتان جاء بسط اليد فيهما بمعنى الجود والسّخاء:
أحدهما (16) : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ.
ثانيهما (20) : بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ.
جاءت الأولى بشأن النّبيّ والثّانية بشأن اللّه، وفيهما نكات:
1 -جاء غلّ اليد فيهما مقابلا لبسط اليد، وهو- كما قال الرّازيّ- مجاز مشهور عن البخل والجود؛ إذ اليد آلة لأكثر الأعمال، ولا سيّما لإعطاء المال وإنفاقه، فأطلق اسم السّبب على المسبّب، فأسندوا الجود والبخل إلى اليد، كما أسندوهما إلى البنان والكفّ والأنامل.
2 -أمّا الغلّ فلقبض اليد، يقال للبخيل: مقبوض اليد ومقبوض الكفّ، وقد رموا اللّه بقولهم: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ أي مقبوضة، أو لأنّ يده مغلولة إلى عنقه، كما قال:
وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ.
وأمّا البسط فلأنّ الجواد يده مبسوطة بالمعنيين، أي ليست مقبوضة، أو ليست مغلولة إلى عنقه، بل هي مبسوطة بكلا المعنيين.
3 -والآية الأولى تنهى النّبيّ عن الإفراط والتّفريط في الإنفاق، والثّانية تنفي عن اللّه ما قالت اليهود فيه من البخل، وأنّه جواد، كما قال: يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ.
رابعا: هناك آية واحدة (17) جاء بسط اليد فيها بمعنى مدّها لأخذ شي ء إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ، وهذا مثل ضربه اللّه للّذين يدعون الأصنام فلا تستجيب لهم ولا تنفعهم، وظلّ سعيهم خائبا. وفيه مواقع للنّظر جاءت في النّصوص:
1 -تفسير المثل: يمدّ العطشان يده إلى بئر ليرتفع