فهرس الكتاب

الصفحة 236 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 1، ص: 244

وظاهر قوله: وَما أُوتِيَ يقتضي التّعميم في الكتب والشّرائع. (1: 408)

الآلوسيّ: أي التّوراة والإنجيل، ولكون أهل الكتاب زادوا ونقصوا وحرّفوا فيهما، وادّعوا أنّهما أنزلا كذلك، والمؤمنون ينكرونه، اهتمّ بشأنهما فأفردهما بالذّكر، وبيّن طريق الإيمان بهما ولم يدرجهما في الموصول السّابق، ولأنّ أمرهما أيضا بالنّسبة إلى (موسى وعيسى) أنّهما منزلان عليهما حقيقة، لا باعتبار التّعبّد فقط، كما في المنزل على (اسحق ويعقوب والاسباط) ، ولم يعد الموصول لذلك في (عيسى) ، لعدم مخالفة شريعته لشريعة (موسى) إلّا في النّزر، ولذلك الاهتمام عبّر بالإيتاء دون الإنزال؛ لأنّه أبلغ لكونه المقصود منه، ولما فيه من الدّلالة على الإعطاء الّذي فيه شبه التّمليك والتّفويض، لهذا يقال: أنزلت الدّلو في البئر، ولا تقول:

آتيتها إيّاها، ولك أن تقول: المراد بالموصول هنا ما هو أعمّ من التّوراة والإنجيل وسائر المعجزات الظّاهرة بأيدي هذين النّبيّين الجليلين حسبما فصّل في التّنزيل الجليل، وإيثار الإيتاء لهذا التّعميم. (1: 395)

رشيد رضا: قال الأستاذ الإمام: وهاهنا نكتة دقيقة في اختلاف التّعبير عن الوحي الّذي منحه اللّه الأنبياء؛ إذ عبّر ب (انزل) تارة وب (أوتى) تارة أخرى، وهي أنّ التّعبير ب (انزل) ذكر هنا في جانب الأنبياء الّذي ليس لهم كتب تؤثر ولا صحف تنقل، وذلك أنّ إنزال الوحي على نبيّ لا يستلزم إعطاؤه كتابا يؤثر عنه، وهذا ظاهر إذا كان النّبيّ غير مرسل، فإنّ الوحي إليه يكون خاصّا به، ويكون إرشاده للنّاس أن يعملوا بشرع رسول آخر إن كان بعث فيهم رسول، وإلّا كان قدوة في الخير ومعدّا للنّفوس لبعثة نبيّ مرسل. وأمّا النّبيّ المرسل فقد يؤمر بالتّبليغ الشّفاهي ولا يعطى كتابا باقيا، وقد يكتب ما يوحى إليه في عصره فيضيع من بعده.

فهؤلاء الرّسل الكرام الّذين عبّر عنهم بقوله: (و ما انزل الى ابرهيم و... ) لا يؤثر عن أحد منهم كتاب مسند صحيح ولا غير صحيح، وإنّنا نؤمن بأنّهم كانوا أنبياء، وأنّ ما نزّل عليهم هو دين اللّه الحقّ، وأنّه موافق في جوهره وأصوله لما أنزل على من بعدهم. وما ذكر اللّه من (ملّة إبراهيم) بالنّصّ هو روح ذلك الوحي كلّه. وقد جاء في سورة النّجم وسورة الأعلى ذكر صحف لإبراهيم.

فنؤمن أنّه كان له صحف، ولا نزيد على ما ورد شيئا، وأمّا إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط فلم يثبت أنّ لهم صحفا ولا كتبا، فنؤمن بما أنزل إليهم بالإجمال، ونعتقد أنّه عين ملّة إبراهيم.

وجاء التّعبير عن وحي الّذين كان لهم كتب تؤثر بقوله: وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ، فهو يشير بالإيتاء إلى أنّ ما أوحي إليهم له وجود يمكن الرّجوع إليه والنّظر فيه، فإنّ أقوامهم يأثرون عنهم كتبا. [إلى أن قال:]

وأمّا ما ذكره شيخنا من نكتة اختلاف التّعبير فيشكل بقوله في أوّل الآية: وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا، أي معشر المسلمين وهو القرآن، وقوله بعد: وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ، ولم يعلم أنّه كان لغير داود منهم كتاب منزل.

على أنّ عدم العلم بكتب أنزلت على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق لا يدلّ على عدم تلك الكتب. ولعلّ نكتة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت