فهرس الكتاب

الصفحة 2421 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 600

دنياهم وعقباهم، من عقيدة حقّة أو عمل صالح أو كليهما.

والبشرى بالنّبيّ بعد النّبيّ وبالدّعوة الجديدة بعد حلول دعوة سابقة واستقرارها والدّعوة الإلهيّة واحدة، لا تبطل بمرور الدّهور وتقضّي الأزمنة واختلاف الأيّام واللّيالي، إنّما تتصوّر إذا كانت الدّعوة الجديدة أرقى فيما تشتمل عليه من العقائد الحقّة والشّرائع المعدلة لأعمال المجتمع، وأشمل لسعادة الإنسان في دنياه وعقباه.

وبهذا البيان يظهر أنّ معنى قوله عليه السّلام: وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي إلخ، يفيد كون ما أتى به النّبيّ أحمد صلّى اللّه عليه وآله أرقى وأكمل ممّا تضمّنته التّوراة وبعث به عيسى عليه السّلام، وهو عليه السّلام متوسّط رابط بين الدّعوتين.

عبد الكريم الخطيب: جاء في هذه السّورة- سورة الصّفّ: 6 - قوله تعالى على لسان المسيح:

وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ.

هذا ما جاء به القرآن، على لسان المسيح إلى بني إسرائيل، مبشّرا إيّاهم بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ وهو اسم"محمّد"رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، لأنّ كلا الاسمين مشتقّ من الحمد، فهو صلوات اللّه وسلامه عليه أحمد، ومحمود، ومحمّد.

وإذا كانت الأناجيل الأربعة المتداولة اليوم قد خلت من هذه البشرى على وجه صريح، فإنّ ذلك لا ينقض ما جاء به القرآن الكريم، في الآية السّابقة؛ إذ القرآن هو الحجّة القائمة على ما سبقه من الكتب السّماويّة، لأنّه آخرها، وضابط محكمها، والمهيمن عليها، كما يقول سبحانه وتعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ المائدة: 48.

والإنجيل الّذي يتحدّث عنه القرآن هو كتاب واحد، ولكنّ الّذي في أيدي النّاس اليوم ليس إنجيلا واحدا، وإنّما هو أربعة أناجيل، وقد كان في وقت مّا خمسة وسبعين إنجيلا.

وقد وقع خلاف فيما بينها، لأنّها لا تعتمد على أصل واحد، ولا ترجع إلى الإنجيل الّذي أنزل على المسيح عليه السّلام، وإنّما هي مرويّات تتحدّث عن السّيّد المسيح، وعن سيرته وأخباره، فيما يرويه عنه بعض حواريّيه، أو من اتّصل بحواريّيه وسمع منهم وتتلمّذ عليهم، وفي هذه السّيرة عبارات من عظات السّيّد المسيح ووصاياه، وقد يكون فيها بعض آيات من الإنجيل السّماويّ، كان السّيّد المسيح يضمّنها عظاته ووصاياه.

وإذن فالأناجيل الّتي ذكرت سيرة السّيّد المسيح، تختلف في تشخيص شخصيّة السّيّد المسيح، وفي تناول مواقفه، وفي نقل عباراته وكلماته، باختلاف الكتّاب الّذي كتبوا هذه السّيرة، ونفضوا عليها من عواطفهم ومشاعرهم، ومن ألوان ثقافاتهم، ما جعل الأناجيل تختلف هذا الاختلاف، كما يختلف إنسان عن إنسان في تفكيره، وفي تصوّره للأحداث.

وليس من همّنا هنا دراسة الأناجيل دراسة تاريخيّة، محقّقة للإنجيل السّماويّ، أو الأناجيل الّتي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت