فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 611
ابن عطيّة: يَسْتَبْشِرُونَ* معناه يسرّون ويفرحون. وليست استفعل في هذا الموضع بمعنى طلب البشارة، بل هي بمعنى استغنى اللّه واستمجد المرخ والعفار.
وذهب قتادة والرّبيع وابن جريج وغيرهم: إلى أنّ هذا الاستبشار إنّما هو بأنّهم يقولون: إخواننا الّذين تركناهم خلفنا في الدّنيا يقاتلون في سبيل اللّه مع نبيّهم فيستشهدون، فينالون من الكرامة مثل ما نحن فيه فيسرّون لهم بذلك؛ إذ يحصلون، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
وذهب فريق من العلماء، وأشار إليه الزّجّاج وابن فورك: إلى أنّ الإشارة في قوله: بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا إلى جميع المؤمنين، أي لم يلحقوا بهم في فضل الشّهادة، لكن الشّهداء لمّا عاينوا ثواب اللّه، وقع اليقين بأنّ دين الإسلام هو الحقّ الّذي يثيب اللّه عليه، فهم فرحون لأنفسهم بما آتاهم اللّه من فضله وَيَسْتَبْشِرُونَ للمؤمنين بأنّهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
الفخر الرّازيّ: وفي الآية مسائل:
الأولى: الاستبشار: السّرور الحاصل بالبشارة، وأصل الاستفعال طلب الفعل، فالمستبشر بمنزلة من طلب السّرور، فوجده بالبشارة.
الثّانية: اعلم أنّ الّذين سلموا كون الشّهداء أحياء قبل قيام القيامة ذكروا لهذه الآية تأويلات أخر:
أمّا الأوّل: فهو أن يقال: إنّ الشّهداء يقول بعضهم لبعض: تركنا إخواننا فلانا وفلانا في صفّ المقاتلة مع الكفّار فيقتلون إن شاء اللّه فيصيبون من الرّزق والكرامة ما أصبنا، فهو قوله: وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ.
وأمّا الثّاني: فهو أن يقال: إنّ الشّهداء إذا دخلوا الجنّة بعد قيام القيامة يرزقون فرحين بما آتاهم اللّه من فضله. والمراد بقوله: لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ هم إخوانهم من المؤمنين الّذين ليس لهم مثل درجة الشّهداء، لأنّ الشّهداء يدخلون الجنّة قبلهم، دليله قوله تعالى: وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا* دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً النّساء: 95، 96، فيفرحون بما يرون من مأوى المؤمنين والنّعيم المعدّ لهم، وبما يرجونه من الاجتماع بهم، وتقرّ بذلك أعينهم، هذا اختيار أبي مسلم الأصفهانيّ والزّجّاج.
واعلم أنّ التّأويل الأوّل أقوى من الثّاني؛ وذلك لأنّ حاصل الثّاني يرجع إلى استبشار بعض المؤمنين ببعض بسبب اجتماعهم في الجنّة، وهذا أمر عامّ في حقّ كلّ المؤمنين، فلا معنى لتخصيص الشّهداء بذلك.
وأيضا فهم كما يستبشرون بالّذين لم يلحقوا بهم من خلفهم، فكذلك يستبشرون بمن تقدّمهم في الدّخول، لأنّ منازل الأنبياء والصّدّيقين فوق منازل الشّهداء، قال تعالى: فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ النّساء: 69، وعلى هذا التّقدير لا يبقى فائدة في التّخصيص.
أمّا إذا فسّرنا الآية بالوجه الأوّل، ففي تخصيص المجاهدين بهذه الخاصّيّة أعظم الفوائد، فكان ذلك أولى، واللّه أعلم. [إلى أن قال:]