فهرس الكتاب

الصفحة 2433 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 612

إنّه تعالى بيّن أنّهم كما يستبشرون بالّذين لم يلحقوا بهم على ما ذكر، فهم يستبشرون لأنفسهم بما رزقوا من النّعيم، وإنّما أعاد لفظ (يستبشرون) لأنّ الاستبشار الأوّل كان بأحوال الّذين لم يلحقوا بهم من خلفهم، والاستبشار الثّاني كان بأحوال أنفسهم خاصّة.

فإن قيل: أليس أنّه ذكر فرحهم بأحوال أنفسهم والفرح عين الاستبشار؟

قلنا: الجواب من وجهين:

الأوّل: أنّ الاستبشار هو الفرح التّامّ، فلا يلزم التّكرار.

والثّاني: لعلّ المراد حصول الفرح بما حصل في الحال، وحصول الاستبشار بما عرفوا أنّ النّعمة العظيمة تحصل لهم في الآخرة. [إلى أن قال:]

الآية تدلّ على أنّ استبشارهم بسعادة إخوانهم أتمّ من استبشارهم بسعادة أنفسهم، لأنّ الاستبشار الأوّل في الذّكر هو بأحوال الإخوان، وهذا تنبيه من اللّه تعالى على أنّ فرح الإنسان بصلاح أحوال إخوانه ومتعلّقيه، يجب أن يكون أتمّ وأكمل من فرحه بصلاح أحوال نفسه. (9: 95)

أبو حيّان: هم جميع المؤمنين، أي يحصل لهم البشرى بانتفاء الخوف والحزن عن إخوانهم المؤمنين، الّذين لم يلحقوا بهم في الشّهادة، فهم فرحون بما حصل لهم، مستبشرون بما يحصل لإخوانهم المؤمنين، قاله الزّجّاج وابن فورك وغيرهما.

وقال قتادة: وابن جريج والرّبيع وغيرهم: هم الشّهداء الّذين يأتونهم بعد من إخوانهم المؤمنين الّذين تركوهم يجاهدون فيستشهدون، فرحوا لأنفسهم ولمن يلحق بهم من الشّهداء؛ إذ يصيرون إلى ما صاروا إليه من كرامة اللّه تعالى.

قال ابن عطيّة: وليست استفعل في هذا الموضع بمعنى طلب البشارة، بل هي بمعنى استغنى اللّه واستمجد المرخ والعفار، انتهى كلامه.

أمّا قوله: ليست بمعنى طلب البشارة، فصحيح، وأمّا قوله: بل هي بمعنى استغنى اللّه واستمجد المرخ والعفار، فيعني أنّها تكون بمعنى الفعل المجرّد، كاستغنى بمعنى غنى واستمجد بمعنى مجد. ونقل أنّه يقال: بشر الرّجل، بكسر الشّين، فيكون استبشر بمعناه.

ولا يتعيّن هذا المعنى بل يجوز أن يكون مطاوعا لأفعل، وهو الأظهر، أي أبشره اللّه فاستبشر، كقولهم:

أكانه فاستكان، وأشلاه فاستشلى، وأراحه فاستراح، وأحكمه فاستحكم، وأكنّه فاستكنّ، وأمرّه فاستمرّ، وهو كثير.

وإنّما كان هذا الأظهر هنا، لأنّه من حيث المطاوعة يكون منفعلا عن غيره، فحصلت له البشرى بإبشار اللّه له بذلك، ولا يلزم هذا المعنى إذا كان بمعنى المجرّد، لأنّه لا يدلّ على المطاوعة. (3: 114)

كرّر الفعل على سبيل التّوكيد إن كانت النّعمة والفضل بيانا لمتعلّق الاستبشار الأوّل، قاله الزّمخشريّ.

[و بعد نقل قول الزّمخشريّ قال:]

وهو على طريقة الاعتزال في ذكره وجوب الأجر وتحصيله على إيمانهم. وسلك ابن عطيّة طريقة أهل السّنّة فقال: أكّد استبشارهم بقوله: (يستبشرون) ثمّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت