فهرس الكتاب

الصفحة 2530 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 709

والكلام مندرج تحت القول، فليس التّعجّب منه سبحانه ليقال: ليس المراد منه حقيقته لاستحالته عليه تعالى، بل المراد أنّ ذلك أمر عظيم، من شأنه أن يتعجّب منه، كما قيل. ولا يمتنع صدور التّعجّب من بعض صفاته سبحانه وأفعاله عزّ وجلّ حقيقة من غيره تعالى.

وفي الحديث:"ما أحلمك عمّن عصاك، وأقربك ممّن دعاك، وأعطفك على من سألك"ولهم في هذه المسألة كلام طويل، فليرجع إليه من أراده، ولابن هشام رسالة في ذلك.

وأيّا ما كان ففيه إشارة إلى أنّ شأن بصره تعالى وسمعه عزّ وجلّ- وهما صفتان غير راجعتين إلى صفة العلم- خارج عمّا عليه بصر المبصرين وسمع السّامعين، فإنّ اللّطيف والكثيف والصّغير والكبير والجليّ والخفيّ والسّرّ والعلن على حدّ سواء، في عدم الاحتجاب عن بصره وسمعه تبارك وتعالى، بل من النّاس من قال: إنّ المعدوم والموجود في ذلك سواء، وهو مبنيّ على شيئيّة المعدوم، والخلاف في ذلك معلوم.

ولعلّ تقديم ما يدلّ على عظم شأن بصره عزّ وجلّ لما أنّ ما نحن بصدده من قبيل المبصرات، والأصل:

أبصر وأسمع، والهمزة للصّيرورة لا للتّعدية، أي صار ذا بصر وصار ذا سمع.

ولا يقتضي ذلك عدم تحقّقهما له تعالى، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا، وفيهما ضمير مستتر عائد عليه سبحانه، ثمّ حوّلا إلى صيغة الأمر، وبرز الضّمير الفاعل لعدم لياقة صيغة الأمر لتحمّل ضمير الغائب، وجرّ بالباء الزّائدة، فكان له محلّان: الجرّ لمكان الباء، والرّفع لمكان كونه فاعلا، ولكونه صار فضلة صورة أعطى حكمها، فصحّ حذفه من الجملة الثّانية مع كونه فاعلا، والفاعل لا يجوز حذفه عندهم.

ولا تكاد تحذف هذه الباء في هذا الموضع إلّا إذا كان المتعجّب منه"أن وصلتها"نحو: أحسن أن تقول، وهذا الفعل لكونه ماضيا معنى، قيل: إنّه مبنيّ على فتح مقدّر منع من ظهوره مجيئه على صورة الأمر، وهذا مذهب سيبويه في هذا التّركيب.

قال الرّضيّ: وضعّف ذلك بأنّ الأمر بمعنى الماضي ممّا لم يعهد، بل جاء الماضي بمعنى الأمر، كما في حديث: اتّقى اللّه امرؤ فعل خيرا يثب عليه، وبأن صار ذا كذا، قليل.

ولو كان ما ذكر منه لجاز: ألحم بزيد وأشحم بزيد، وبأنّ زيادة الباء في الفاعل قليل، والمطّرد زيادتها في المفعول.

وتعقّب بأنّ كون الأمر بمعنى الماضي ممّا لم يعهد، غير مسلّم ألا ترى أنّ (و كفى به) النّساء: 50، بمعنى اكتف به، عند الزّجّاج. وقصد بهذا النّقل الدّلالة على أنّه قصد به معنى إنشائيّ وهو التّعجّب، ولم يقصد ذلك من الماضي، لأنّ الإنشاء أنسب بصيغة الأمر منه، لأنّه خبر في الأكثر، وبأنّ كثرة"أفعل"بمعنى صار ذا كذا، لا تخفى على المتتبّع، وجواز، ألحم بزيد، على معنى التّعجّب لازم ولا محذور فيه، وعلى معنى آخر غير لازم.

نعم ما ذكر من قلّة زيادة الباء في الفاعل ممّا لا كلام فيه، والإنصاف أنّ مذهب سيبويه في هذه المسألة لا يخلو عن تعسّف.

ومذهب الأخفش وعزاه الرّضيّ إلى الفرّاء: أنّ"أفعل"في نحو هذا التّركيب أمر لفظا ومعنى، فإذا قلت:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت