فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 710
أحسن بزيد، فقد أمرت كلّ واحد بأن يجعل زيدا حسنا، ومعنى جعله كذلك: وصفه به، فكأنّك قلت: صفة بالحسن كيف شئت. فإنّ فيه منه كلّ ما يمكن أن يكون في شخص. [ثمّ استشهد بشعر]
وهذا المعنى مناسب للتّعجّب بخلاف تقدير"سيبويه"، وأيضا همزة"الجعل"أكثر من همزة: صار ذا كذا وإن لم يكن شي ء منهما، على ما قال الرّضيّ قياسا مطّردا. واعتبر الفاعل ضمير المأمور وهو كلّ أحد، لأنّ المراد أنّه لظهور الأمر يؤمر كلّ أحد، لا على التّعيين بوصفه بما ذكر، ولم يتصرّف في"أفعل"على هذا المذهب فيسند إلى مثنّى أو مجموع أو مؤنّث، لما ذكروا من علّة كون فعل التّعجّب غير متصرّف، وهي مشابهته الحروف في الإنشاء، وكون كلّ لفظ من ألفاظه صار علما لمعنى من المعاني.
وإن كان هناك جملة فالقياس أن لا يتصرّف فيه، احتياطا لتحصيل الفهم كأسماء الأعلام، فلذا لم يتصرّف في"نعم وبئس"في الأمثال، وسهل ذلك هنا انمحاء معنى الأمر فيه، كما انمحى معنى"الجعل"وصار لمحض إنشاء التّعجّب، ولم يبق فيه معنى الخطاب، والباء زائدة في المفعول.
وأجاز الزّجّاج أن تكون الهمزة للصّيرورة، فتكون الباء للتّعدية، أي صيّره ذا حسن، ثمّ إنّه اعتذر لبقاء"أحسن"في الأحوال على صورة واحدة، لكون الخطاب لمصدر الفعل، أي يا حسن أحسن بزيد. وفيه تكلّف وسماجة.
وأيضا نحن نقول: أحسن بزيد يا عمرو، ولا يخاطب شيئان في حالة إلّا أن يقول: معنى خطاب الحسن قد انمحى، وثمرة الخلاف بين"سيبويه"وغيره تظهر فيما إذا اضطرّ إلى حذف الباء، فعلى مذهب سيبويه يلزم رفع مجروره، وعلى غيره يلزم نصبه.
هذا، وقال ابن عطيّة: يحتمل أن يكون معنى الآية:
أبصر بدين اللّه تعالى وأسمع به، أي بصر بهدى اللّه تعالى وسمع به، فترجع الهاء إمّا على الهدى وإمّا على الاسم الجليل، ونقل ذلك عن ابن الأنباريّ، وليس بشي ء.
وقرأ عيسى (ابصر به واسمع) بصيغة الماضي فيهما، وخرّج ذلك أبو حيّان على أنّ المراد الإخبار لا التّعجّب، والضّمير المجرور للّه تعالى، أي أبصر عباده بمعرفته سبحانه وأسمعهم.
وجوّز أن يكون (ابصر) أفعل تفضيل، وكذا (اسمع) وهو منصوب على الحاليّة من ضمير له، وضمير (به) عائد على الغيب. وليس المراد حقيقة التّفضيل بل عظم شأن بصره تعالى وسمعه عزّ وجلّ، ولعلّ هذا أقرب ممّا ذكره أبو حيّان.
وحاصل المعنى عليه أنّه جلّ شأنه يعلم غيب السّماوات والأرض بصيرا به وسميعا على أتمّ وجه وأعظمه. (15: 254)
القاسميّ: أي ما أبصره لكلّ موجود، وأسمعه لكلّ مسموع! لا يخفى عليه شي ء ولا يجب بصره وسمعه شي ء.
قال في"الإكليل": استدلّ بقوله تعالى: أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ المنتخب على جواز إطلاق صيغة التّعجّب في صفات اللّه تعالى، كقولك: ما أعظم اللّه وما أجلّه! انتهى.
يعني أن يشتقّ من الصّفات السّمعيّة صيغة التّعجّب