فهرس الكتاب

الصفحة 2537 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 716

كلّ ما ذكر في الآخر اكتفاء بالمذكور عن المتروك، وفيه على هذا صنعة الاحتباك. والآية شائعة في التّمثيل بها لذلك، وهو الظّاهر فيها، وإن كان أمرا غير ضروريّ.

ومن هنا ذهب جمع إلى أنّه لا احتباك فيها، والعدول عن"لتبصروا فيه"الّذي يقتضيه ما قبل إلى ما في النّظم الجليل، للتّفرقة بين الظّرف المجرور والظّرف الّذي هو سبب يتوقّف عليه في الجملة. وإسناد"الإبصار"إلى النّهار مجازيّ. (11: 154)

رشيد رضا: (النّهار) جعله مضيئا ذا إبصار لتنتشروا في لأرض، وتقوموا بجميع أعمال العمران والكسب، والشّكر للرّبّ. فالمبصر هنا: معطي الإبصار، سببه حسّيّا كان أو معنويّا، فالأوّل: قوله تعالى:

وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ الإسراء: 12.

والثّاني: قوله: وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً الإسراء: 59، أي آية مفيدة للبصيرة والحجّة على صدق رسولهم، ومثله قوله: فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ النّمل: 13. (11: 454)

الطّباطبائيّ: الآية تتمّم البيان الّذي أورد في الآية السّابقة لإثبات ربوبيّته تعالى، والرّبوبيّة- كما تعلم- هي الملك والتّدبير، وقد ذكر ملكه تعالى في الآية السّابقة، فبذكر تدبير من تدابيره العامّة في هذه الآية تصلح به عامّة معيشة النّاس، وتستبقى به حياتهم، يتمّ له معنى الرّبوبيّة.

وللإشارة إلى هذا التّدبير ذكر مع (الّيل) سكنهم فيه، ومع (النّهار) إبصارهم فيه، الباعث لهم إلى أنواع الحركات والتّنقّلات لكسب موادّ الحياة، وإصلاح شؤون المعاش، فليس يتمّ أمر الحياة الإنسانيّة بالحركة فقط أو بالسّكون فقط، فدبّر اللّه سبحانه الأمر في ذلك بظلمة اللّيل الدّاعية إلى تجديد تجهيز القوى، بعد ما لحقها من العيّ والتّعب والنّصب، وإلى الارتياح والأنس بالأهل، والتّمتّع ممّا جمع واكتسب بالنّهار، والفراغ للعبوديّة، وبضوء النّهار الباعث إلى الرّؤية فالاشتياق فالطّلب. (10: 94)

وبهذا المعنى جاء كلمة (مبصرا) في سورة النّمل:

2 -اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِرًا ... المؤمن: 61

الطّبريّ: يقول: وجعل (النّهار مبصرا) من اضطرب فيه لمعاشه، وطلب حاجاته، نعمة منه بذلك عليكم. (24: 80)

الطّوسيّ: تبصرون فيه مواضع حاجاتكم، فجعله (مبصرا) لما كان يبصر فيه المبصرون.

الزّمخشريّ: من الإسناد المجازيّ، لأنّ الإبصار- في الحقيقة- لأهل النّار.

فإن قلت: لم قرن (الّيل) بالمفعول له (و النّهار) بالحال، وهلّا كانا حالين أو مفعولا لهما، فيراعى حقّ المقابلة؟

قلت: هما متقابلان من حيث المعنى، لأنّ كلّ واحد منهما يؤدّي مؤدّى الآخر، ولأنّه لو قيل:"لتبصروا"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت