فهرس الكتاب

الصفحة 2561 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 740

الوصفين، فالإنسان بصير يرى الأشياء من زاوية ضيّقة، وهي عينه، واللّه محيط بما وراء العالم والجنّ والإنس، ومطّلع على كلّ صغيرة وكبيرة في الأعيان وفي الأذهان.

ثانيا: قورن الأعمى والبصير في ستّ منها، وهي (1) إلى (6) ، وهما مع الأصمّ والسّميع في (2) ، ومع السّميع في (7) ، ومع الظّلمات والنّور في (4) ، ومع الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات والمسي ء في (5) ، وكلّ ذلك تركيزا في البون الشّاسع بينهما كالنّور والظّلمات والمؤمن والكافر، وإشارة إلى أنّ المراد بهما ما يعمّ العمى والبصر ظاهرا، والهداية والضّلالة باطنا، وتعريفا للأشياء بأضدادها، وهو أبلغ في الوصف.

ثالثا: تختصّ الآيات (6) إلى (9) بالبصر المحسوس، مع اشتمال (8) و (9) على معجزة سيّدنا يوسف عليه السّلام.

4 -بصيرة وبصائر وتبصرة:

أ- بصيرة: آيتان:

1 -قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ

يوسف: 108

2 -بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ* وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ القيمة: 14، 15

يلاحظ أوّلا: أنّ"بصيرة"تأتي اسما وصفة، ولا تأتي مصدرا، لأنّ المصدر لم يأت على"فعيلة"، وإنّما جاء على"فعيل"، مثل: رحل رحيلا، وصهل صهيلا.

أمّا الاسم فجاء بمعان محسوسة: كالدّرع والحلقة منه، ومقدار الدّرهم من الدّم المدوّر على الأرض، والثّوب الّذي يشبه التّرس، والدّية تحفظ النّفس بها، والشّقّ الّذي على الخباء، وما بين شقّتي البيت، وغيرها ممّا جاء في النّصوص، وجامعها- كما يخطر بالبال- كلّ ما اتّخذ جنّة وسترا.

وجاء بمعان معقولة، مثل: ما اعتقد في القلب من الدّين، والفراسة الصّادقة، والعبرة، والثّبات في الدّين، والحجّة الواضحة، وعلم اليقين، والمعرفة الحقّة، والدّلالة الّتي توجب العلم. وكلّها راجعة إلى معنى واحد، وهو نور في القلب يميّز الحقّ عن الباطل، مثل نور البصر في العين، ترى به الأجسام، وقد أطلقت عليه"البصيرة"لأنّه سبب الإدراك وآلته، كما يطلق البصر على الجارحة، لأنّه آلة الرّؤية.

والبصيرة- على هذا-: اسم آلة كالمبصر والمبصرة بالفتح، وجمع البصيرة: بصائر، كصحيفة وصحائف وظريفة وظرائف، وجمع البصر: أبصار. فالفرق بين البصر والبصيرة هو الفرق بين العين والقلب.

قال الزّمخشريّ:"من المجاز البصيرة: البيان والحجّة الواضحة والعبرة والشّاهد". وجعلها مجازا، لأنّها في الأصل اسم لما تدرك به هذه الأمور. وقال غيره:

"استعير لفظ"البصيرة"من القوّة المودعة في القلب لإدراك المعقولات لكونها سبب الإدراك".

وأمّا الصّفة فهي مؤنّث"بصير"، وسنتناولها بالبحث.

ثانيا: جاءت البصيرة في الآية الأولى بهذا المعنى دون غيره، وإن اختلفت ألفاظ المفسّرين في تفسيرها، أي إنّي أدعو إلى اللّه على بصيرة، أي على يقين ومعرفة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت