فهرس الكتاب

الصفحة 2598 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 777

رابعا: أنّ إخوة يوسف استبضعوا أخاهم، فباعوه بثمن بخس، وأبضعهم ميرة- (نمير اهلنا) - بدون ثمن، إظهارا لكرامته، وإشارة إلى هوان ماصبوا إليه، إذ باعوه بمال حقير، وشراهم بقوت يسير، فكانت صفقة رابحة، نفّست بها الكروب، وبرئ النّبيّ يعقوب وأخصب جنابهم، والتأم شملهم.

خامسا: اختلفوا في إعراب (بضاعة) في (و اسرّوه بضاعة) في (1) ، هل هي حال- كما عليه الأكثر- أي أخفوا يوسف حال كونه بضاعة لهم ومتاعا للتّجارة. أو مفعول له، أي أسرّوه ليكون بضاعة لهم. أو مفعول لفعل مقدّر، أي أسرّوه واتّخذوه بضاعة؟

واختلفوا كذلك اختلافا كثيرا في ضمير الجمع في (اسرّوه) وفي وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ يوسف: 20، إلى من يرجعان؟ إلى إخوة يوسف، أي أنّهم أسرّوا أنّه أخاهم- وقالوا: إنّه عبد لنا قد أبق- ليتّخذوه بضاعة، ثمّ شروه بثمن بخس من السّيّارة بعد ما خرج من البئر.

وهذا يوافق كون (بضاعة) مفعولا له أو مفعولا به.

أو إلى الوارد ومن معه من التّجّار، أي هؤلاء أخفوا أمر يوسف عن رفقتهم السّيّارة بأنّهم أخرجوه من البئر.

أو اشتروه بثمن بخس من إخوة يوسف، لو فرضنا أنّهم هم الّذين شروه بثمن بخس، لئلّا يسألوهم الشّركة فيه، وأسرّوا في أنفسهم أنّه بضاعة، أو ليبقى لهم بضاعة.

أو ادّعوا أنّهم استبضعوه من صاحب المال بضاعة يبيعوها لهم في مصر، فجعلوها بضاعة وأمانة، ثمّ شروه هؤلاء بمصر بثمن بخس. وهذا يوافق أيضا كونها مفعولا له أو مفعولا به، واختاره الطّبريّ والطّوسيّ وغيرهما بتفاوت قليل، بحجّة أنّ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً جاء عقيب وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ، فلأن يكون ماوليه خبرا له أولى من أن يكون خبرا لإخوة يوسف المنفصلين عنه.

وعندنا أنّ هذا أوفق بالسّياق، لأنّ الأوّل يستدعي تكلّف أنّ الإخوة- بعد أن خلص يوسف من الجبّ على يد الوارد- ادّعوا أنّه عبد لهم أبق، ليتيسّر لهم بيعه للسّيّارة، والوجه الثّاني خال عن هذا التّكلّف. وعليه فالّذين شروه بثمن بخس هم السّيّارة دون إخوة يوسف، والمشتري هو الّذي جاء فيه بعدها وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ ....

ففي القصّة شراء واشتراء واحد ليس مرّتين؛ أحدهما: شراءه الإخوة للسّيّارة، وثانيهما: شراءه السّيّارة للّذي اشتراه من مصر.

وكأنّ الّذين اختاروا الوجه الأوّل عمدوا إلى الرّوايات والقصص الّتي هي أشبه بالأساطير في قصّة يوسف خاصّة، وفي سائر القصص القرآنيّة عامّة، وأكثرها إسرائيليّات سرت إلى تفاسير المسلمين في الصّدر الأوّل فما بعده، يلتذّ بسردها ويتمتّع بنقلها القاصّون ومن ينسج على منوالهم، من الوعّاظ والمتصوّفة والشّعراء.

سادسا: من شدّة حلاوة قصّة يوسف وما فيها من نكات بلاغيّة لطيفة- ولا سيّما بشأن يوسف حين ألقي في البئر وحين خلص منها- صارت (بضاعة) في آيتين منها مثلا سائرا: بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ، هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت