فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 804
شرحه.
وإذا كان هذا شأنه فمن فرعون وجنوده وثمود وجنودهم، ألم يهلكهم اللّه ببطشه، هذا ملخّص هذه الآيات، إذن فلنشرع في ذكر جمال هذا القول فنقول ومن اللّه التّوفيق:
اعلم أنّ النّاس يعيشون على الأرض غارقين في النّعم، مغمورين في الخير تحيط بهم الأنوار الكوكبيّة والهواء الجوّيّ. ولا حياة للنّاس إلّا بالأضواء ولا بقاء لهم دقائق إلّا بالهواء، ولا ترى أحدا من النّاس يفكّر في نعمة الهواء، ولا في نعمة الأضواء الشّمسيّة والقمريّة والكوكبيّة. ولا حياة أيضا للنّاس إلّا بماء وبنبات وحيوان.
فالنّاس غارقون في النّعم الهوائيّة والمائيّة والضّوئيّة والغذائيّة والدّوائيّة، ونعم الملابس، ونعم الدّول والممالك، ونعم العلوم والدّيانات. لكن كثرة النّعم توجب إنكارها، لأنّها لشدّة ظهورها زادت خفاء كثرة النّعم على النّاس حتّى صارت منكورة لأنّهم غرقوا فيها.
هذا هو قوله تعالى: الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ* وقوله:
الْغَفُورُ الْوَدُودُ فانظر ما ذا فعل لتعرف إحسانه بالنّقم كما عرفت إحسانه بالنّعم. انظر ألست ترى أنّ الإنسان له روح وجسم، فهذه النّعم لحياة الجسم وحياته قصيرة.
فانظر كيف أراد اللّه أن يرينا ذلك، فماذا فعل؟ سلّط الحرّ والقرّ والقحط والمرض والوباء والجدريّ والتّيفوس والتّيفود والموت والفراق والقتل والخنق والضّرب والحرب والمدافع والطّيّارات والغازات الخانقة وعداوات الأمم لأجل الغذاء والملك.
فهذه هي النّقم المذكورة في قوله:"العزيز"وفي قوله: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ، فبينما ينظر الإنسان في السّماء ذات البروج فيرى جمالا وإشراقا وحسنا وبهجة تأخذ بالألباب؛ إذا به قد فجع بموت عظيم أو قريب أو حبيب، أو فوجئ بخطب جسيم كأنّه يقال له: أنت لم تخلق للبقاء هنا، فاذهب إلى ذلك الجمال.
هذه النّقم هي الموقظات للأمم والأفراد فتجعلهم يفكّرون فيما حولهم، وينظرون في أمرهم، فالمريض يعرف نعمة الصّحّة. والجائع يعرف قيمه نعمة الغذاء.
والّذي عطش يعرف نعمة الماء، والأمم الّتي وقعت في حرب تعرف نعمة الاجتماع.
فالنّاس يعيشون مذهولين من كثرة النّعم حتّى يحسد بعضهم بعضا على الصّحّة والقوّة والغنى والثّروة.
فإذا جاءت الحرب عرفوا أنّ هؤلاء نعمة عليهم لا نقمة.
وهناك تأخذ تلك المصائب تفتّح العقول المقفلة، والأبواب الموصدة، والأفهام الخامدة. والنّفوس الجامدة، وتطلق الأرواح المسجونة، ويقول العلماء:
"لا يظهر الفلاسفة في أمّة إلّا أيّام محنتها"فالمحن تظهر مواهب هؤلاء الفلاسفة.
شذرة عامّة من التّاريخ
لقد قدّمت لك في هذا التّفسير ما خاطب به أرسطاطاليس الفيلسوف اليونانيّ تلميذه الإسكندر قائلا:"إيّاك أن تنيم الشّعب على فراش الرّاحة الوثير فإنّ النّاس لا يتحمّلون النّعم كما يتحمّلون النّقم".
ونصحه أن يشغل النّاس بأعمال وإلّا ذهبت منهم النّخوة وبطروا وشرهوا، فاستولى عليهم الذّلّ والهوان وقهر