فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 805
الأمم المحيطة بهم. وضرب له مثلا بالأمم الّتي هلكت بالنّعيم.
وقد أذاع فلاسفة الألمان في عصرنا كتبا نشروها قبيل الحرب الكبرى: إنّ الدّولة إذا لم تصب بحروب مهلكة فإنّها تغرق في النّعيم وتنسى كمالها وعظمتها، فمن أراد أن يوقظ دولة فليبتدع لها حربا تنشطها وتلمّ شعثها. ثمّ إنّنا نرى اللّه عزّ وجلّ جعل هذا قاعدة عامّة.
فالأمم البدويّة الّتي ترحل من مكان إلى مكان في تتبّع مساقط المطر تكون أقوى أبدانا وأصحّ نفوسا وأقرب إلى الشّجاعة، والأمم الّتي أتاها الخير والنّعيم من كلّ جانب فهم يزرعون ويأكلون ويشربون لا يخافون الفقر والقحط. فهؤلاء يكثر نسلهم كما قلّ نسل من قبلهم.
ولكن انظر ما ذا ترى، ترى الأوّلين أعزّاء أقوياء لا يتغلّب عليهم متغلّب إلّا قليلا. وإن تغلّب لا يقدر على كسر شكيمتهم، وترى الآخرين قد رخصت الأسعار عندهم، وكثر الّذين يعطونهم بالرّبا الفاحش ورخصت أجورهم في العمل لكثرة عددهم. وفوق ذلك يأتي لهم العدوّ بالمدافع والجيوش فيتسلّط عليهم ليشاركهم في رزقهم.
فانظر كيف أيقظ اللّه النّاس على الأرض. قوم خلقهم في أرض قفراء فعلّمهم الشّجاعة والهمّة، وقوم منحهم سعة الرّزق وسلّط عليهم الذّلّ.
انظر إلى أمّتنا الإسلاميّة، جاء الإسلام لعرب في بادية الحجاز وحضره، فلمّ شعثهم وكانوا متفرّقين، إنّما كانت بلادهم قد علّمتهم الجلد والصّبر وشظف العيش.
وهذه آثار صفات العزّة وصفات البطش الشّديد؛ فتعلّموا قبل النّبوّة تعلّما طبيعيّا مرنهم على الصّبر ومكارم الأخلاق، كما تراه في أشعارهم.
جاء الإسلام وأمروا بالفتح، ولكن صاحب الشّريعة صلّى اللّه عليه وسلّم- كما جاء في الصّحيح وذكرته في هذا التّفسير سابقا- قال لهم ما معناه: إنّ أخوف ما أخاف عليكم ما يفتح عليكم من زينة الدّنيا وزخرفها، فقال له أعرابيّ: أو يأتي الشّرّ من الخير؟ فأجابه صلّى اللّه عليه وسلّم ضاربا المثل بالمطر والنّبات، فالمطر خير ولكن الشّرّ عارض.
فهو صلّى اللّه عليه وسلّم لمّا انتصر الإسلام لم تفته هذه، فأفهمهم أنّ كثرة النّعم أخافته صلّى اللّه عليه وسلّم على المسلمين. وقد تمّ ذلك بعد وفاته، فإنّهم فتحوا البلاد شرقا وغربا، فاتّسعت دائرة الحسد والعداوة بينهم وكان ما كان، حتّى عظم الملك وتداخل فيه الفرس والتّرك، وذهبت الدّولة بسبب البطنة والنّعيم، كما أخبر صلّى اللّه عليه وسلّم في"البخاريّ"أنّه يخاف ذلك. وكما قال تعالى: أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ الأحقاف: 20.
هنالك جاء التّتار والمغول في القرن السّادس والسّابع وما بعدهما وضربوا دولة الإسلام من جهة الشّرق، ولم يكن عند قطب أرسلان الّذي هجم عليه جنكيز خان هو ولا علماء الإسلام علم بقوّة المغول والتّتار، كما تقدّم في سورة الكهف عند ذكر يأجوج ومأجوج، هذا في جهة الشّرق، وترى نظيره في بلاد الأندلس فذهبت الدّولة الأمويّة هناك، ثمّ تفرّقت