فهرس الكتاب

الصفحة 2640 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 819

ما سمعها، فإضلاله إنّما يمكن بإخفاء تلك الدّلائل عنه، ومنعه من الوصول إليها.

فقوله: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ إشارة إلى القسم الأوّل وهو تشويش الدّلائل عليه، وقوله:

وَتَكْتُمُوا الْحَقَ إشارة إلى القسم الثّاني وهو منعه من الوصول إلى الدّلائل.

واعلم أنّ الأظهر في"الباء"الّتي في قوله: (بالباطل) أنّها باء الاستعانة، كالّتي في قولك: كتبت بالقلم، والمعنى ولا تلبسوا الحقّ بسبب الشّبهات الّتي توردونها على السّامعين؛ وذلك لأنّ النّصوص الواردة في التّوراة والإنجيل في أمر محمّد عليكم كانت نصوصا خفيّة، يحتاج في معرفتها إلى الاستدلال.

ثمّ إنّهم كانوا يجادلون فيها ويشوّشون وجه الدّلالة على المتأمّلين فيها بسبب إلقاء الشّبهات، فهذا هو المراد بقوله: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ فهو المذكور في قوله: وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَ المؤمن:

القرطبيّ: الباطل في كلام العرب: خلاف الحقّ، ومعناه الزّائل. [إلى أن قال:]

واختلف أهل التّأويل في المراد بقوله: الحق بالباطل فروي عن ابن عبّاس وغيره: لا تخلطوا ما عندكم من الحقّ في الكتاب بالباطل، وهو التّغيير والتّبديل.

وقال أبو العالية: قالت اليهود: محمّد مبعوث ولكن إلى غيرنا، فإقرارهم ببعثه حقّ، وجحدهم أنّه بعث إليهم باطل.

وقال ابن زيد: المراد ب (الحقّ) : التّوراة، و (الباطل) :

ما بدّلوا فيها من ذكر محمّد عليه الصّلاة والسّلام وغيره.

وقال مجاهد: لا تخلطوا اليهوديّة والنّصرانيّة بالإسلام، وقاله قتادة، وقد تقدّم.

قلت: وقول ابن عبّاس أصوب، لأنّه عامّ فيدخل فيه جميع الأقوال، واللّه المستعان. (1: 341)

أبو حيّان: [بعد نقل أقوال ابن عبّاس، ومجاهد، وابن زيد، وأبو العالية، قال:]

أو إيمان منافقي اليهود بإبطان كفرهم، أو صفة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بصفة الدّجّال.

وظاهر هذا التّركيب أنّ"الباء"في قوله: (بالباطل) للإلصاق كقولك: خلطت الماء باللّبن، فكأنّهم نهوا عن أن يخلطوا الحقّ بالباطل، فلا يتميّز الحقّ من الباطل.

وجوّز الزّمخشريّ أن تكون"الباء"للاستعانة كهي في: كتبت بالقلم، قال: كان المعنى ولا تجعلوا الحقّ ملتبسا مشتبها بباطلكم. وهذا فيه بعد عن هذا التّركيب، وصرف عن الظّاهر بغير ضرورة تدعوا إلى ذلك.

2 -يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ. آل عمران: 71

ابن عبّاس: بإظهار الإسلام، وإبطان النّفاق، وفي قلوبهم من اليهوديّة والنّصرانيّة مأمنا، لأنّهم يدعون إلى إظهار الإسلام في صدر النّهار والرّجوع عنه في آخره، لتشكيك النّاس فيه.

مثله قتادة. الطّوسيّ 2: 497)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت