فهرس الكتاب

الصفحة 2678 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 857

قوله: (سبحانك) تنزيها له عن أن يخلق مثل هذا الخلق، ومعلوم أنّ ذلك باطل.

الثّاني: أنّه إنّما يحسن وصل قوله: فَقِنا عَذابَ النَّارِ به إذا حملناه على المعنى الّذي ذكرناه، لأنّ التّقدير: ما خلقته باطلا بغير حكمة بل خلقته بحكمة عظيمة، وهي أن تجعلها مساكن للمكلّفين الّذين اشتغلوا بطاعتك وتحرّزوا عن معصيتك، فَقِنا عَذابَ النَّارِ لأنّه جزاء من عصى ولم يطع؛ فثبت إنّا إذا فسّرنا قوله:

ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا بما ذكرنا، حسن هذا النّظم. أمّا إذا فسّرناه بأنّك خلقته محكما شديد التّركيب، لم يحسن هذا النّظم.

الثّالث: أنّه تعالى ذكر هذا في آية أخرى، فقال:

وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ص: 27، وقال في آية أخرى:

وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ* ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ ... الدّخان: 38، 39، وقال في آية أخرى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا إلى قوله: فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُ المؤمنون: 115، 116، أي فتعالى الملك الحقّ عن أن يكون فعله عبثا، وإذا امتنع أن يكون عبثا، فبأن يمتنع كونه باطلا أولى.

والجواب: اعلم أنّ بديهة العقل شاهدة بأنّ الموجود إمّا واجب لذاته، وإمّا ممكن لذاته، وشاهده أنّ كلّ ممكن لذاته فإنّه لا بدّ وأن ينتهي في رجحانه إلى الواجب لذاته، وليس في هذه القضيّة تخصيص بكون ذلك الممكن مغايرا لأفعال العباد، بل هذه القضيّة على عمومها قضيّة يشهد العقل بصحّتها.

وإذا كان كذلك وجب أن يكون الخير والشّرّ بقضاء اللّه، وإذا كان كذلك امتنع أن يكون المراد من هذه الآية تعليل أفعال اللّه تعالى بالمصالح.

إذا عرفت هذا فنقول: لم لا يجوز أن يكون تأويل الآية ما حكيناه عن الواحديّ قوله: ولو كان كذلك لكان قوله: (سبحانك) تنزيها له عن فعل ما لا شدّة فيه ولا صلابة، وذلك باطل؟

قلنا: لم لا يجوز أن يكون المراد: ربّنا ما خلقت هذا رخوا فاسد التّركيب بل خلقته صلبا محكما، وقوله:

(سبحانك) معناه أنّك وإن خلقت السّماوات والأرض صلبة شديدة باقية فأنت منزّه عن الاحتياج إليه والانتفاع به، فيكون قوله: (سبحانك) معناه هذا.

قوله ثانيا: إنّما حسن وصل قوله: فَقِنا عَذابَ النَّارِ به إذا فسّرناه بقولنا.

قلنا: لا نسلم بل وجه النّظم، إنّه لمّا قال: (سبحانك) اعترف بكونه غنيّا عن كلّ ما سواه، فعندما وصفه بالغنى أقرّ لنفسه بالعجز والحاجة إليه في الدّنيا والآخرة، فقال:

فَقِنا عَذابَ النَّارِ وهذا الوجه في حسن النّظم إن لم يكن أحسن ممّا ذكرتم، لم يكن أقلّ منه.

وأمّا سائر الآيات الّتي ذكرتموها فهي دالّة على أنّ أفعاله منزّهة عن أن تكون موصوفة بكونها عبثا ولعبا وباطلا.

ونحن نقول بموجبه: وإنّ أفعال اللّه كلّها حكمة وصواب، لأنّه تعالى لا يتصرّف إلّا في ملكه وملكه، فكان حكمه صوابا على الإطلاق، فهذا ما في هذه المناظرة، واللّه أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت