فهرس الكتاب

الصفحة 2679 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 858

واحتجّ حكماء الإسلام بهذه الآية، على أنّه سبحانه خلق هذه الأفلاك والكواكب، وأودع في كلّ واحد منها قوى مخصوصة، وجعلها بحيث يحصل من حركاتها واتّصال بعضها ببعض مصالح هذا العالم ومنافع سكّان هذه البقعة الأرضيّة، قالوا: لأنّها لو لم تكن كذلك لكانت باطلة، وذلك ردّ الآية.

قالوا: وليس لقائل أن يقول: الفائدة فيها الاستدلال بها على وجود الصّانع المختار، وذلك لأنّ كلّ واحد من كرات الهواء والماء يشارك الأفلاك والكواكب في هذا المعنى، فحينئذ لا يبقى لخصوص كونه فلكا وشمسا وقمرا فائدة، فيكون باطلا، وهو خلاف هذا النّصّ.

وأجاب المتكلّمون عنه، بأن قالوا: لم لا يكفي في هذا المعنى كونها أسبابا على مجرى العادة، لا على سبيل الحقيقة؟ (9: 139)

القرطبيّ: أي يقولون: ما خلقته عبثا وهزلا، بل خلقته دليلا على قدرتك وحكمتك، والباطل: الزّائل الذّاهب. [ثمّ استشهد بشعر]

و (باطلا) نصب، لأنّه نعت مصدر محذوف، أي خلقا باطلا، وقيل: انتصب على نزع الخافض، أي ما خلقتها للباطل، وقيل: على المفعول الثّاني.

أبو حيّان: قيل: المعنى خلقا باطلا، أي لغير غاية، بل خلقته وخلقت البشر لينظر فيه، فيوحّد ويعبد. فمن فعل ذلك نعّمته، ومن ضلّ عن ذلك عذّبته.

وقال الزّمخشريّ: المعنى ما خلقته خلقا باطلا بغير حكمة بل خلقته لداعي حكمة عظيمة، وهو أن تجعلها مساكن للمكلّفين وأدلّة لهم، على معرفتك ووجوب طاعتك واجتناب معصيتك، ولذلك وصل به قوله:

فَقِنا عَذابَ النَّارِ لأنّه جزاء من عصى ولم يطع، انتهى.

وفيه إشارات المعتزلة من قوله:"بل خلقته لداعي حكمة عظيمة"وعلى هذا فيكون انتصاب (باطلا) على أنّه نعت لمصدر محذوف.

وقيل: انتصب باطلا على الحال من المفعول.

وقيل: انتصب على إسقاط الباء، أي بباطل بل خلقته بقدرتك الّتي هي حقّ.

وقيل: على إسقاط اللّام وهو مفعول من أجله، وفاعل بمعنى المصدر، أي بطولا.

وقيل: على أنّه مفعول ثان ل (خلق) وهي بمعنى"جعل"الّتي تتعدّى إلى اثنين، وهذا عكس المنقول في النّحو، وهو أنّ"جعل"يكون بمعنى (خلق) فيتعدّى لواحد، أمّا أنّ (خلق) يكون بمعنى"جعل"فيتعدّى لاثنين، فلا أعلم أحدا ممّن له معرفة ذهب إلى ذلك.

والباطل: الزّائل الذّاهب، ومنه:

* ألا كلّ شي ء ما خلا اللّه باطل*

والأحسن من أعاريبه انتصابه على الحال من (هذا) وهي حال من (هذا) وهي حال لا يستغنى عنها، نحو قوله: وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ الدّخان: 38، لا يجوز في هذه الحال أن تحذف، لئلّا يكون المعنى على النّفي وهو لا يجوز.

ولمّا تضمّنت هذه الجملة الإقرار بأنّ هذا الخلق البديع لم يكن باطلا، والتّنبيه على أنّ هذا كلام أولي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت